من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٢٨ - الإطار العام من هو الخاسر الأكبر؟
ومن رحلة الإنسان في آفاق نفسه ينطلق به السياق إلى آفاق الكون من حوله بموجوداته وظواهره، حيث جعل الله الأرض كفاتاً تضمه حياً وميتاً، وجعل فيها جبالًا راسية بأصولها في الأرض، شامخة بقممها في آفاق السماء، وسقانا منها ماءً فراتاً سائغاً للشاربين، وكل ذلك آيات لحكمة الله، وعلامات تهدي إلى ذلك اليوم، فالويل للمكذبين به (الآيات: ٢٨- ٢٥).
ولقطع دابر التبرير والكيد، اللذين يتخذهما المكذِّبون وسيلة لتكذيبهم، يصور السياق عاقبة المكذِّب، إذ يأتي النداء الإلهي إلى المكذبين في حال تكاد الحسرة تهلكهم لولا مشيئته تعالى؛ يقال لهم «انطَلِقُوا إِلَى مَا كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون (يعني جهنم وعذابها) انطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنْ اللَّهَبِ (وحيث النار، وما أدراك ما هي النار؟) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ» فويل يومئذ للمكذبين من غضب الله وعذابه (الآيات: ٣٤- ٢٩).
وهنالك تنطق الحجة البالغة لله، ولا ينطق المكذبون باعتبارهم مُلْجَمَين بالحجج من جهة، «هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ» من جهة أخرى، وكفى بهذا عذابا مهينا لهم بين يدي جبار السماوات والأرض، وأمام الخلائق في محشر يوم القيامة (الآيات: ٣٧- ٣٥).
ويتحدى السياق المكذبين من الأولين والآخرين، بهدف إذلالهم وإظهار صغارهم أمام الناس، حيث كانوا يتكبرون في الدنيا بما عندهم من السلطة والمال؛ يقول لهم «هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ» الذي طالما كذبتم واستهزأتم به، وأنتم مجموعون إلى بعضكم (أولين وآخرين) «فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ» وذلك جزاء كيدهم ومحاربتهم لله ولأوليائه في الدنيا، فالويل لهم من ذلك الموقف وعذابه (الآيات: ٣٨- ٤٠).
ويبين القرآن سبيل النجاة من مصير المكذبين السيء، ألا وهو تقوى الله، وهذا البيان يملأ قلوب المتقين أملًا في رحمة الله، واطمئناناً إلى لطفه بالذات. والسورة ظلال لغضب الله ووعيده بكل آياتها
ومفرداتها عدا الآيات: (٤٤- ٤١) فالمتقون في مأمن من العذاب، وهم «فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (يدعوهم ربهم إلى مائدة فضله ورحمته) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ» وإنه لجزاء كل تقي محسن عنده تعالى (الآيات: ٤٤- ٤١).
ويعود السياق موصولًا بما سبق من الوعيد للمكذبين، وهو يهددهم بالعذاب، ويحذرهم من عواقب انتهاجهم سبيل التكذيب والجريمة، مؤكداً أنهم لن يطول بهم المقام في متعهم الإجرامية حتى يقع بهم غضبه الذي لا تقوم له السماوات الأرض (الآيات: ٤٧- ٤٥).
وكيف لا يلحق بهم الويل والثبور وهم يتمردون على أوامر الله وأحكامه، فلا يتبعون رسله ولا يصدقون آياته «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ»!، بلى؛ سوف يلحقهم العذاب (الآيات: ٤٩- ٤٨).