من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤١١ - إنما نطعمكم لوجه الله
الأغلال فتشد بها أيديهم إلى رقابهم]
[١]. ولعل السلاسل ما يُشهدُّ بها المجرمون إلى بعضهم ويسحبون بها، والأغلال ما يُقيَّد بها الواحد من يديه ورجليه ورقبته. وهذا جزاء مناسب للكافرين، لأنهم يسيئون الاستفادة من الحرية المعطاة إليهم في الدنيا فيقيدون في الآخرة. وسلاسل الآخرة وأغلالها تجسيدات لمثلها في الدنيا، لأن من يخالف قيم الحق وسبيل الهدى ويتبع المناهج البشرية يتورط في أغلال العبودية والعقد والمشاكل المختلفة.
[٥] أما الشاكرون الذين يهبهم ربهم وسام الأبرار فإنهم لا يتحررون من سلاسل الضلال وأغلاله وسعيره في الدنيا فقط، بل ويكسبون الحرية الكاملة في الآخرة والثواب الجزيل جزاء شكرهم واتباعهم رسالة الله عز وجل. «إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً» قيل
هو جمع بَرَّ، وفي الصحاح: وجمع البَر الأبرار، وفلان يبر خالقه ويتبرره أي يطيعه]
[٢]. والقرآن يفسر معنى «الأَبْرَارَ» من خلال بيانه لصفاتهم، وهذا يقرِّب المعنى ويرسِّخه في الأذهان بصورة أوضح وأفضل.
وما يشربه الأبرار في الجنة مختلط طعمه ومزاجه بصفات الكافور الحسنة، وهو اسم
عين ماء في الجنة]
عن ابن عباس [٣]، وقال سعيد عن قتادة
تمزج لهم بالكافور، وتختم بالمسك، وقيل: أراد كالكافور في بياضه وطيب رائحته وبرده، لأن الكافور لا يشرب]
[٤]، وقال مقاتل
ليس بكافور الدنيا، ولكن سمى الله ما عنده بما عندكم حتى تهتدي لها القلوب]
[٥]. ومن فوائد الكافور طبعه البارد، وتسكينه للعطش، وحين يمتزج بشراب يكون أنفع للجسم. وقوله «مِنْ كَأْسٍ» كناية عما في الكأس من الشراب.
[٦] «عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ» لماذا استخدمت هنا كلمة «بِهَا» أوليس الإنسان يشرب من العين وليس بالعين؟ قالوا: إن الكلمة قد أُشربت معنى الارتواء أي يشربون منها ويرتوون بها .. أما عن هذه العين فقد جاء عن الإمام الصادق عليه السلام: قال
هِيَ عَيْنٌ فِي دَارِ النَّبِيِّ صلى الله عليه واله تُفَجَّرُ إِلَى دُورِ
الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِين]
[٦]. «يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً» فمتى ما أرادوا توجهوا تلقاء العين التي لا تزال مختومة ففجروها- بإذن الله- وشربوا من باكورة رفدها الطاهر ما شاؤوا. وفي تفسير القرطبي
إن الرجل منهم ليمشي في بيوتاته ويصعد إلى قصوره، وبيده قضيب يشير
[١] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٢٤٠.
[٢] الجامع لأحكام القرآن: ج ١٩، ص ١٢٥.
[٣] المصدر السابق: ص ١٢٦.
[٤] المصدر السابق: ص ١٢٦.
[٥] المصدر السابق: ص ١٢٦.
[٦] تفسير نور الثقلين: ج ٥، ص ٤٧٧.