من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤ - ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
رسول الله إن كنت عزمت على قتله فمرني أكون أنا الذي أحمل إليك رأسه فو الله لقد علمت الأوس والخزرج أني أبرهم ولدا بوالدي]
[١]. وهذه صورة للتحول الحضاري الجديد، واستيلاء الشرعية الجديدة على الشرعية القديمة التي ليس فيها أقرب من علاقة الابن بأبيه.
و نتساءل: لماذا اختتمت الآية السابقة بأن المنافقين «لا يَفْقَهُونَ» بينما اختتمت هذه الآية بأنهم «لا يَعْلَمُونَ»؟.
الإجابة هي: أن معرفة القوانين الاقتصادية، وأن المال يأتي نتيجة الجهود التي تستخرج خزائن الله في الأرض، أن معرفة ذلك بحاجة إلى الفقه وهو الفهم العميق، بينما لا تحتاج معرفة القوانين الاجتماعية، ومنها تبدل القيم عند الناس إلى ذلك الفهم، بل يستطيع أي إنسان أن يعلمها. وهكذا نفت الآية فقه المنافقين للقوانين الاقتصادية، ثم نفت الثانية علمهم (وهو أقل من الفقه) حتى من فهم التحولات الاجتماعية.
[٩] ولأن المنافقين يسعون لتعميق الروح المادية في المجتمع، وبالتالي تجييره في صالح حربهم الاقتصادية السياسية ضد الإسلام والقيادة الرسالية، نجد القرآن ينمي في ضمير الأمة القيم المعنوية التي تستلهم من الإيمان بالآخرة، لكي لا يقع في حبائل النفاق، ولكي يفشل خطط المنافقين ضد الإسلام. والدعوة التالية للمؤمنين في ظروف المحنة والحرب الاقتصادية تعني بصورة أكبر أغنياءهم فإنهم مسؤولون، والرسالة تواجه هذا اللون من التحدي أن ينهضوا بأعباء المسؤولية في دعم مسيرة القيادة والدولة والأمة الإسلامية بالمزيد من الإنفاق، ولا يمكن ذلك إلا إذا حلق الإنسان في سماء ذكر الله، وترفع عن شح النفس والتلهي بالأموال والأولاد «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ» وهما زينة الحياة الدنيا وأجلى صورها، والمؤمن ينبغي أن يجعل ذكر الله محوره الذي يتحرك ضمنه دون أن يخرجه عنه شيء. والأموال هنا ليست الدراهم والدنانير والذهبان فقط، بل كل ما يملكه المجتمع من أرض وإمكانية ومصلحة اقتصادية وما أشبه، وهكذا الأولاد ليسوا الأبناء وحدهم، إنما المقصود هنا صلة الإنسان بالمادة وصلته بالآخرين والأموال والأولاد اظهر المصاديق للاثنين. ولعل الدعوة إلى عدم التلهي بالأموال تقابل سياسة المنافقين الاقتصادية ضد الرسالة والرسول (الآية: ٧)، بينما الدعوة إلى عدم التلهي بالأولاد تقابل سياستهم العنصرية والوطنية التي أرادوا الاعتماد عليها بعد الرجوع إلى المدينة (الآية: ٨).
ثم يحذر القرآن المؤمنين من عواقب السير في ركاب المال والأولاد فيقول «وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ» وليس الإسلام هو الذي يخسر، وخسارتهم بخسارة
[١] تفسير القمي: ج ٢، ص ٣٧٠.