من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٩ - وإنه لحق اليقين
والقصائد، وإن كان من مصاديقها الجلية، إنما تتسع لكل من يتبع الثقافة البشرية المنطلقة من الظنون والمشاعر البشرية لا من العلم الإلهي كأصحاب النظريات والفلسفات، ولعل هذه المفارقة هي السر في فشل النظريات البشرية وتزلزلها، وثبات القيم الإلهية ونجاحها، وإلا لم تتبع الملايين جيلا بعد جيل رسول الله ورسالته في حين لا تتبع الشعراء وتعتد بكلامهم؟
نعم، إن إقبال الناس منذ بعث النبي صلى الله عليه واله إلى اليوم وحتى المستقبل- الذي هو لرسالات الله- على الإسلام وإيمانهم به لآية بالغة على أنها من عند رب العالمين.
«قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ» قالوا: إن «مَا» هنا بمعنى العدم، أي إنكم لا تؤمنون البتة، وأضافوا: العرب تقول: قلما يأتينا يريدون لا يأتينا [١]، ولكن يبدو أن القلة هنا بمعناها حيث ينسجم ذلك مع سائر الآيات التي تنفي الإيمان عن الكثرة «وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ» [الأنعام: ١١٦] في حين تثبته للقلة «وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ» [سبأ: ١٣].
وكلمة أخيرة: إن الفرق بين الرسول وبين الشاعر هو الفرق بين الكريم الذي يتنازل عن ذاته وبين من تكون ذاته هي المحور في كلامه وتحركه، فالشاعر يسأل الأجر والرسول يعطي ولا يسأل، والرسول يقول الحق ولو على نفسه في حين الشاعر لا يملك هذه الشجاعة والإخلاص. كما أن قلة إيمان الناس لن يكون في يوم من الأيام مقياسا للحق، لأن الرسالة ذاتها حق، وبالتالي فإن الداء فيمن لا يؤمن وليس فيها، لأنها قمة سامقة قَلَّ أن يصل ذروتها أحد.
[٤٢] وينفي القرآن أن تكون الرسالة من أقوال الكهنة «وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ» فما هي العلاقة بين نفي الشعر والكهانة؟.
أولًا: لأن الشعر والكهانة من الظواهر التي كانت شائعة في المجتمع الذي تنزلت فيه الرسالة يومئذ، وكان الشعراء والكهان يمثلون طبقة المثقفين والواعين بين الناس، وإذ ينفي الله كون القرآن من أفكار أوعى أفراد المجتمع فإنه ينفي كونها من عند أي أحد من الناس، لأن ما يعجز عنه الأقدر لا يستطيع الإتيان به غيره.
ثانياً: لأن أي ثقافة يأتي بها الإنسان فإنما يحصل عليها عن أحد طريقين أو عنهما معا: فإما تكون ذاتية يتفتق بها عقله وخياله كالشعر، وأما تأتيه عبر الآخرين كالكهانة التي يتلقى الكهان أفكارها من القوى التي يتصلون بها أمثال الشياطين والجن، بغض النظر عن الصحة والخطأ. وحيث ينفي القرآن الاثنين فإنما يؤكد أن الرسالة ليست من عند الرسول صلى الله عليه واله نفسه ولا مصدر آخر يتصل به سوى وحي الله عز وجل.
[١] الرازي: ج ٣٠، ص ١١٧، والكشاف: ج ٤، ص ٦٠٦.