من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٢ - تبارك الذي بيده الملك
[٥] ومما يؤكد حاجة الإنسان إلى إعادة النظر في معارفه أن هناك جملة من الأفكار والاعتقادات الخاطئة (الأساطير) ينطوي عليها فكره لا تتصحح إلا بكرَّات أخرى جديدة يرجع فيها البصر والبصيرة، ومن بينها تصوره المتصل بنظام السماء أنه فيه ثغرات تنفذ منها الشياطين إلى الملا الأعلى فتطلع على أقدار الله، وزعمه بأن النجوم هي مراكز الأقدار وأن لكل فرد نجما يخصه إذا مات سقط، وعلى ذلك فسروا ظاهرة الشهب والنيازك، لذا مضى القول: (نجمي لا يوافق نجمك) شائعاً. والقرآن يشير إلى تلك التصورات ويصححها حيث يقول تبارك وتعالى «وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ» وهي النجوم التي تعتبر لأهل الأرض قناديل الليل، إذ تهتدي بها السفن التي أضلتها العواصف عن مسارها وتضيء درب الراعي الساري بغنيماته ليلا في صحراء بعيدة، كما تناغي المستلقي تحت السماء في الليالي الصافية. ولكن متانة الخلقة تربط بين تلك الزينة والإضاءة وبين حراسة السماء بتلك النجوم، فهي كما تزين السماء وتضيء لأهل الأرض كذلك تقصف الشياطين رجما فلا يستطيعون العبث بمقدرات الكون، ولا حتى استراق السمع لمعرفة تلك المقدرات. ولعله هاهنا ثمة إشارة للناحية الجمالية في الكون والتي تتنافى مع الصدفة. فالصدفة (الضرورة) مطلقاً لا تفسر الجمال في الكون ولا الحس الجمالي عند الإنسان المتذوق له. «وَجَعَلْنَاهَا رُجُوماً لِلشَّيَاطِينِ» وهذه الآية تنسف زعم الجاهلين بأن الشياطين قوى خارقة وعالمة بأقدار الله لأنها تخترق السماوات وتصل إلى الأعلى، الأمر الذي جعل البعض يشرك بهم، ويتبعون الكهنة باعتبارهم وسائط بين الشياطين وبين الآدميين، فإن النجوم ليس كما يتصورون بل هي زينة ومصابيح ورجوم، وإن الشياطين ليسوا كذلك لأنهم يرجمون. ولعل هذه الآية تؤكد متانة النظام الكوني وهيمنة الله من زاويتين
الأولى: أن ما نراه من الشهب والنيازك ليست مجرد قطع تنفصل عن مدار بعض النجوم والشموس في الفضاء نتيجة عوامل وقوانين فيزيائية بحتة ومن دون هدف، إنما تنفلت من مواقعها بإرادة الله ولأهداف محددة من بينها رجم الشياطين.
الثانية: أن النظام الكوني نظام متقن، وهو بالرغم من وجود العوامل المضادة التي تحاول خرقه كالشياطين فإنها لا تؤثر في مسيرته ونظمه، وأن مصير كل محاولة لخرقه هو الفشل. وهذه الحقيقة تعطي الإنسان الاطمئنان والأمن حيث يشعر أنه يعيش في كون منظم ومحروس.
ويؤكد ربنا في خاتمة الآية بأن ما هو أعظم من جزاء الرجم الدنيوي للشياطين هو ذلك العذاب المعد لهم في الآخرة «وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ». ويدل هذا المقطع على أن الشياطين مخلوقات مكلفة ومختارة ومسؤولة حيث تجري عليهم سنة الجزاء.
[٦] وبعد أن انتهى الفصل الأول الذي استهدف زرع الخشية من الله بالغيب من خلال