من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٥ - الإطار العام الإنسان؛ حاضر ومستقبل، سعي ومصير
بل إنها ركيزة أساسية وملحة للإنسان في مسيرته ومصيره، وذلك أن تقدمه (فردا وأمة) وكذلك تأخره رهين موقفه من حقائق هذه الذكرى الإلهية للبشر (الآيات: ٣٧- ٣٣).
وفي سياق الحديث عن الآخرة وعذاب سقر ينعطف بنا القرآن إلى آية مهمة في سورة، بل في المنهجية الإسلامية بصورة عامة، وذلك حينما يربط بين مستقبل الإنسان وحاضره وبين سعيه ومصيره مؤكدا أنه المسؤول عن نفسه، فهو الذي بيده حبسها في العذاب كما بيده فك رهانها منه، والدخول بها إلى جنات الخلد والنعيم. ويضع الله الناس فردا فردا أمام حقيقة عظيمة ومهمة يجب أن يضعوها نصب أعينهم، ويتحركوا في الحياة على إيحاءاتها ومستلزماتها .. ألا وهي أن الأنفس كلها رهينة .. شهواتها وضلالها وقراراتها المنحرفة الخاطئة، إلا أن يعتصم البشر بحبل الإيمان ويتبع منهجه فيخلصها الله من سجنها الخطير، كما صنع ويصنع بأصحاب اليمين (الآيات: ٣٩- ٣٨).
ومن خلال حوار قصصي يدور بين أصحاب الجنة والمجرمين- ينقله القرآن- تبصرنا الآيات الربانية بأهم ركائز الجريمة التي تؤدي إلى سقر والتي حذرنا ربنا منها، وبذلك يجيب القرآن عن سؤال يفرض نفسه على كل من يعرف حقيقة سقر، حيث يبحث عن النجاة من شرها، ويسعى لتجنب أسباب التورط فيها، وهي أربعة أساسية كما يقر المجرمون أنفسهم: (عدم كونهم من المصلين، وعدم إطعامهم المسكين، وخوضهم مع الخائضين، والتكذيب بالآخرة) وماذا يرتجى لمن يوافيه الأجل، ويلقى ربه على هذا الضلال البعيد والجريمة؟ (الآيات: ٤٧- ٤٠).
ومن يتورط في الذنوب الأربعة الكبيرة التي مر ذكرها فإن مصيره النار لا محالة، لأنه لا عمل صالح عنده ينجيه من العذاب، ولن تدركه رحمة من الله وقد بارزه وحاربه، ولن يشفع له أحد، ولو استشفع له أحد- جدلا- فلن تنفعه شفاعة أبدا، لأن الشفاعة تنفع من تكون مسيرته العامة في الحياة مسيرة سليمة، ثم يرتكب بعض الذنوب والمعاصي .. وليس المجرمون كذلك (الآية: ٤٨).
وفي خاتمة السورة يستنكر القرآن على المجرمين (الكفار ومرضى القلوب) إعراضهم عن تذكرة الله لهم ورحمته المتمثلة في آيات وحيه الهادية، مع أنهم مستقبلون أمرا عظيما ونارا لا تبقي ولا تذر .. ولا خلاص لهم إلا بالإقبال على التذكرة، والعمل على ضوء بصائرها وهداها!! إنهم حقًّا يشبهون- حيث يعرضون عن آيات الله- قطيع حمر انقضَّ عليه ليث قسورة لا يدرون إلى أين يفرون منه، وما الحيلة للخلاص .. والحال أن آيات الله
على عكس ذلك جاءت لتأخذ بأيديهم إلى ساحل الأمن والرحمة والسعادة، وأولى بهم أن يستقبلوها كما يستقبل الظمأى