من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٤٨ - ويل يومئذ للمكذبين
«كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ» وإذا كان المكذبون مترفين، وفي أيديهم نعم الله وألوان المتع، فإنه لا يعني حضوتهم برضوان الله، لأنهم مجرمون، فلا جريمة أكبر من تكذيب الإنسان بالحق وممارسته الباطل في الحياة، سواء فعل ذلك الفقير أو صاحب الثروة والأتباع. والآية تهدينا من جهة أخرى إلى أن لهث البشر وراء حطام الدنيا ومتعها هو العامل الرئيسي في ضلاله واقتحامه كل جريمة .. وليس لهذا الأمر من علاج في نفس المكذب المجرم إلا بالتفكير في العاقبة يوم الفصل، لأن ذلك مدعاة للعاقل أن يترك المتع القليلة في ذاتها ومدتها والموجبة للويل المقيم يومذاك، وهذا ما يفسر علاقة الآية: (٤٦) بقول الله بعدها «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» وحينما يستحضر الإنسان في وعيه وتصوره حقائق ذلك اليوم فسوف يجد نفسه مدفوعا لترك الجريمة وكل أكلة ومتعة لا ترضي الله، ومن ثم يتحول من التكذيب إلى الإحسان، ويطمع في نعيم الآخرة، ويسلم لله ولرسله ورسالاته، لأن جاذبية شهوات الدنيا لا تقاوم إلا بمثل جاذبية الجنة وخشية مصير المكذبين والمجرمين، ووعي العذاب الشديد الذي ينتظر المكذبين.
ويبين القرآن صفة أخرى للمكذبين إضافة إلى لهثهم وراء حطام الدنيا ومتعها، وإضافة إلى كونهم مجرمين، ألا وهي عدم تسليمهم لأوامر الله وعدم خضوعهم لها «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ارْكَعُوا لا يَرْكَعُونَ» قال مقاتل: نزلت في ثقيف حين أمرهم رسول الله صلى الله عليه واله بالصلاة فقالوا: لا ننحني]، وأضاف
العلامة الطبرسي
والرواية لا ننحني فإن ذلك سبة علينا، فقال رسول الله: لَا خَيْرَ في دِيْنٍ لَيْسَ فِيْهِ رُكُوعٌ وَلَا سُجُودٌ]
[١]، ذكر ذلك أغلب المفسرين. وقد ذكر الركوع بالذات لأمرين رئيسين
الأول: أنه ذكر كناية عن الصلاة، لأن الركوع أبرز ما فيها، ولذلك تسمى وحدات الصلاة بالركعات، والصلاة تمثل عمود الدين، وذكر مخالفتهم وعصيانهم لله في أبلغ أوامره وشرائعه أوضح دلالة على عصيانهم وتكذيبهم.
الثاني: لأن الصلاة هي مظهر العبودية لله، والركوع منها رمز الخضوع والتسليم ومظهره العملي، وبيان تكذيب المكذبين وتمردهم عن التسليم لله وللقيادة الرسالية يكون أجلى عند التمثيل له بالركوع والسجود من التمثيل له بأي شيء آخر، وعلى هذا الأساس نستطيع حمل الركوع هنا على أنه رمز للتسليم بكل مفرداته لا كونه محصورا في ركوع الصلاة فقط، ولذلك فإن رفض التسليم- بجميع معانيه- يستلزم الويل للمكذبين «وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ» الذين يكذبون بالحقائق، ومن أبرزها وأهمها
[١] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٣٤.