من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٨ - ومن يتق الله يجعل له مخرجا
والتربية، ولنظامها الداخلي (الدخول والخروج، والأكل والنوم) وعلاقاتها المختلفة، وفيما بينها حالات الشقاق والطلاق. وبالرغم من أن بعضا من المذاهب كالمسيحية الكاثوليكية تحرم الطلاق البتة، وبالرغم من أنه في شريعة الإسلام نفسه أبغض الحلال إلى الله، فقد جاء الحديث المأثور عن النبي صلى الله عليه واله أنه قال
تَزَوَّجُوا ولَا تُطَلِّقُوا فَإِنَّ الطَّلَاقَ يَهْتَزُّ مِنْهُ الْعَرْشُ]
[١]. وجاء في حديث آخر عنه صلى الله عليه واله
لَا تُطَلِّقُوا النِّسَاءَ إِلَّا عَنْ رَيْبَةٍ فَإِنَّ الله لَا يُحِبُّ الذَّوَّاقِينَ والذَّوَّاقَاتِ] [٢].
إلا إنه تعالى يشرعه لأن الروابط الزوجية في نظر الإسلام إنما وضعت لأهداف فردية وأسرية واجتماعية وحضارية، فإذا أصبحت لا تؤدي الأغراض أو أضرت بها فإن الطلاق يصير أولى منها. وحيث إن الطلاق عملية هدم لكيان الأسرة فقد أسس الله دينه على الوقاية منه، وفي هذا السياق تنتظم الكثير من القيود التي وضعت ليصبح الطلاق مشروعا، كوجوب العدة، وبقاء الزوجة في بيت زوجها حينها لا هو يخرجها ولا هي تخرج منه، وحضور شاهدي عدل حين الطلاق، وما إلى ذلك. ولا يعتبر الإسلام الطلاق مسألة شخصية يتصرف فيها الرجل كيف يشاء- كما يظن البعض، وكما هي عند بعض المذاهب- إنما هو قضية اجتماعية ذات تأثيرات سلبية على كيان الأسرة بصورة خاصة والمجتمع بصورة عامة. لذا يضع الله حدودا يحذر من تجاوزها، بل لا يقع الطلاق من الناحية القانونية والواقعية والشرعية إلا ضمنها.
ويلاحظ إلى جانب السياق الذي يعالج مشكلة الطلاق من الناحية القانونية تأكيدات متتالية على أهمية التقوى وبصيغ مختلفة، لأنها الدرع التي تحصِّن المجتمع ضد المشاكل كالطلاق، ولأنها الضمانة الحقيقية والأهم لالتزام الإنسان بحدود الله وتنفيذها في كل مكان وزمان.
بينات من الآيات
[١- ٢] في أول آية من السياق يوجه الله الخطاب إلى رسوله بصورة خاصة «يا أيها النَّبِيُّ» باعتباره مسؤولا عن الأمة وشاهدا عليها، ثم يعم المسلمين ببلاغة فائقة «طَلَّقْتُمْ»، وذلك لكي ينسف المزاعم التي تقول: أن علاقة الرجل بزوجته وتدبيره لشؤونها أمر خاص به، ولا يمت بصلة إلى الدين الذي تمثله القيادة الإسلامية، ويؤكد أن هذا الوهم غلط فاضح، لأن علاقة الرجل بزوجته لا تقف عند حدود
مصالح الفرد بل تنتشر إلى كل امرأة. أوليست الزوجة عضو في المجتمع الإسلامي، وبالتالي لها امتداداتها وعلاقاتها بالمجتمع وبقيادته؟ فلابد
[١] وسائل الشيعة: ج ٢٢، ص ٨.
[٢] وسائل الشيعة: ج ٢٢، ص ٩.