من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٧ - ولربك فاصبر
سقر أسفل الجحيم، نار فيها شجرة الزقوم]
[١]، وإنها من رهبتها وما تتميز به من الصفات لا يستطيع بشر أن يتصور مداها ويعي حقيقتها.
«وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ» وفي هذه الصيغة استثارة للإنسان نحو السعي إلى المعرفة ولو بصورة إجمالية، والقرآن يبين بعض صفات سقر فيقول «لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ» قيل: لا تبقيهم أحياء فهي تميتهم، ولا تترك لأبدانهم أثرا فهي لا تذرهم، أي أن لها أثرين: الأول على الروح، والآخر على الجسم، وقيل
إن الكلمتين مترادفين في المعنى مختلفتين في الدرجة والأثر]
، وذكرهما معا يفيد المبالغة والتأكيد، وقال في
التبيان
قيل: لا تبقي أحدا من أهلها إلا تناولته، ولا تذره من العذاب]
[٢]، وفي الميزان قال العلامة الطباطبائي
لا تبقي شيئا ممن نالته إلا أحرقته، ولا تدع أحدا ممن ألقي فيها إلا نالته، بخلاف نار الدنيا التي ربما تركت بعض ما ألقي فيها ولم تحرقه]
[٣]، وعن مجاهد قال
لا تحيي ولا تميت]
[٤]، واستدل صاحب الميزان على هذا الرأي بقوله تعالى «الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى» [الأعلى: ١٢- ١٣]، والأقرب عندي أن معنى «لا تُبْقِي» لا تدع أحدا من الناس الذين فيها باقيا بل تفنيهم جميعا، ومعنى «وَلا تَذَرُ» أي لا تذر شيئا من أي واحد منهم، فالأول يشمل كل من فيها، والثاني يتسع لكل جزء ممن فيها، وهو أعظم، وهذه- فيما يبدو لي- صفة النار مع قطع النظر عن صفة جهنم التي يجدد الله فيها ما تحرقه النار، فلا منافاة بينها وبين قوله سبحانه «لا يَمُوتُ فِيهَا وَلا يَحْيَى» [طه: ٧٤] إذ الحديث عن النار هنا جاء بقدر فهمنا لها وحسب مقاييسنا. ولعل من المعاني: أن سقر من حيث شدة العذاب ونوعيته لا تبقي من يُلقى فيها، ومن حيث المدة والملازمة فإنها لا تترك أهلها أبدا، وهذا يهدينا إلى أن أهلها من الخالدين في العذاب، فلا تترك سقر أهلها بل يبقون خالدين في العذاب، لأن الاحتراق هناك ليس احتراقا عاديًّا وإنما هو احتراق يشبه الاحتراق الذري الذي لا ينتهي، والله العالم.
وصفة أخرى لسقر هي تلويحها أهلها «لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ» في اللغة: ألاح فلانا: أهلكه، فهي المُهْلِكة للبشر، ويقال
لوَّح فلانا بالعصا والسيف والسوط والنعل: علاه بها وضربه]
، وقيل: المُعَطِّشة، تقول العرب: إبل لوحى، ورجل ملواح أي سريع العطش، ويقال لمن ضربته الشمس وغيرت لونه لوَّحته تلويحا، وكأن سقر من حرارتها تغيِّر جلود أهلها ووجوههم.
وحين يرد المجرمون وادي سقر يستقبلهم ملائكة غلاظ شداد ..
هم خزنتها مالك
[١] الدر المنثور: ج ٦، ص ٢٨٣.
[٢] التبيان: ج ١٠، ص ١٨٠.
[٣] تفسير الميزان: ج ٢٠، ص ٨٨.
[٤] الدر المنثور: ج ٦، ص ٢٨٣.