من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٦ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
وقد جرى جدل بين المفسرين حول هذه الآية هل هي من جملة ما حكاه النفر من الجن، أم هي قول الله؟ فقال بعضهم: إنها قول من الله، وقال آخرون- وهو الأقرب-: إنها قول الجن، قال الفخر الرازي
واعلم أن حمله على كلام الجن أولى لأن ما قبله وما بعده كلام الجن، فإلقاء كلام أجنبي عن كلام الجن في البين غير لائق) [١]
. ولعل التعبير اختلف من المتكلم «وَأَنَّا» إلى الضمير الغائب «وَأَنَّهُمْ» لأن المتكلم نفر من المؤمنين، وهم ليسوا من جملة الكافرين بالبعث، مما دعاهم إلى نسب الأمر إلى غيرهم.
ثم يعود السياق إلى مجراه (ضمير المتكلم) باعتبار أن ما يأتي أمر عام وشامل حتى للنفر الذين آمنوا من الجن، باعتبارهم كسائر الجن سعوا لاستراق السمع، إلا أنهم حيث احتجبوا عن ذلك تحسسوا قدرة ربهم، وآمنوا به تائبين. «وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً» والحرس هم الملائكة، والشهب أسلحتهم التي يرمون بها كل من يحاول استراق السمع، فهي مشحونة جنودا وعتادا إلى حد الامتلاء، بحيث لا يجد مسترق ثغرة ينفذ منها إلى الملأ الأعلى. وقال «لَمَسْنَا» ولم يقل: (رأينا) لأن اللمس صفة مادية مما يؤكد المعنى ويُقرِّبه. وحقًّا: إنهم لمسوا السماء وعرفوا تلك الحقيقة من خلال التجربة العملية .. إذ هلك الكثير منهم بالشهب وهم في مهمة الاستراق. «وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ» سابقا قبل أن يشاء الله منعهم تماما، «فَمَنْ يَسْتَمِعْ الآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَاباً رَصَداً». ومن كلمة «مَقَاعِدَ» نستفيد أنهم كانوا يسترقون السمع من ثغرات معينة يقعدون فيها. ويشير أئمة الهدى إلى الحكمة التي أغلق الله أبواب الاستراق بسببها عن الشياطين والجن، يقول الإمام الصادق عليه السلام
وَأَمَّا أَخْبَارُ السَّمَاءِ فَإِنَّ الشَّيَاطِينَ كَانَتْ تَقْعُدُ مَقَاعِدَ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ إِذْ ذَاكَ وَهِيَ لَا تَحْجُبُ وَلَا تُرْجَمُ بِالنُّجُومِ، وَإِنَّمَا مُنِعَتْ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ لِئَلَّا يَقَعَ فِي الْأَرْضِ سَبَبٌ يُشَاكِلُ الْوَحْيَ مِنْ خَبَرِ السَّمَاءِ وَلُبِسَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ مَا جَاءَهُمْ عَنِ الله لِإِثْبَاتِ الْحُجَّةِ وَنَفْيِ الشَّبَه] [٢].
إذن فالجن لا يعلمون الغيب حتى يعوذ بهم الناس. قال صاحب البصائر بتعبير لطيف عن صلة هذه الآية بما قبلها من الآيات
فالإنس كانوا يعوذون بالجن لأنهم يعلمون الغيب أو خبر السماء فجاءت هذه الآية لتقول: إنهم (لا يعلمون الغيب، وأن السماء ممنوعة عنهم)] [٣].
واختلف في حراسة السماء، فمن قائل إنها لم تكن قبل بعث النبي صلى الله عليه واله ومن قائل غير ذلك، وظاهر الآية يشير إلى ما ذهب إليه العلامة الطباطبائي إذ قال
إن الحادث هو الملء
[١] التفسير الكبير للفخر الرازي: ج ٣٠، ص ١٥٧.
[٢] بحار الأنوار: ج ١٠، ص ١٦٨.
[٣] تفسير البصائر: ج ٤٩، ص ٣٧٦.