من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠٠ - وإنه لحق اليقين
(٢٨- ٣٠) وحيث إن القيامة- كما سبق وبينا- سميت بالحاقة لكونها تحق الحق (تظهره وتغلِّبه) فإن أصحاب الشمال الذين حجبهم ضلالهم عن معرفة الحقائق والتسليم لها في الدنيا تزيل حوادث الآخرة وأهوالها الغشاوة التي على قلوبهم فيرون الحق بكل وضوح وجلاء، ويكتشفون أخطاءهم الفادحة التي طالما أصروا عليها وحسبوا أنهم يحسنون بها صنعا. وتبرز هنا المفارقة الرئيسية بين المؤمن الذي لا يفاجئه البعث والجزاء، باعتباره كان حاضرا عند هذا الغيب وهو في الدنيا «إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ» [الحاقة: ٢٠]، وبين الآخر الذي كذب بالآخرة، ووجد نفسه أمام حقيقتها يومئذ فاكتشف أخطاءه في وقت لا تنفع المعرفة ولا ينجي الإيمان. ومن أفدح الأخطاء التي يقع فيها الإنسان، وبالتالي يدخل بسببها أكثر الناس نار جهنم، هو الاعتماد على المال، والحال أنه لا ينفع أحدا في الآخرة، لأن العمل الصالح وحده زاد النجاة والفلاح فيها. إن المال بذاته لا يغني، وإنما ينفع إذا عُمِل به أعمال خير وصلاح بالإنفاق في سبيل الله .. ولم يفعل ذلك أصحاب الشمال لأنهم كفروا بالحساب والجزاء. و الآية توجهنا إلى معنى لطيف للغنى فهو لا يتحقق بوجود المال وكثرته، إنما بأدائه دوره، وهدفه في الحياة، فأصل الغنى من ارتفاع الحاجة، ومع أن المال يقضي للمترفين والمخدوعين بعض الحاجات الظاهرية، وتستطيل به أيديهم إلى كثير من بهارج الدنيا وزخارفها، إلا أن ذلك لا يعد غنى إنما الغنى حقًّا يكون بانقضاء الحاجات الحقيقية للبشر، وأهمها رضا الله والزحزحة عن النار التي لم يوظف أصحاب الشمال وبالذات المترفون منهم أموالهم من أجل قضائها.
«مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ» ولقد بينت أحاديث أئمة الهدى المعنى الأصيل للغنى، قال الإمام علي عليه السلام
الْغِنَى والْفَقْرُ بَعْدَ الْعَرْضِ عَلَى الله تَعَالَى]
[١]، وجاء رجل إلى الإمام الصادق عليه السلام فشكا إليه الفقر، فقال
لَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْتَ وَمَا أَعْرِفُكَ فَقِيراً.
قَالَ: وَاللهِ يَا سَيِّدِي مَا اسْتَبَنْتَ (ما عرفت)، وَذَكَرَ مِنَ الْفَقْرِ قِطْعَةً وَالصَّادِقُ عليه السلام يُكَذِّبُهُ، إِلَى أَنْ قَالَ
خَبِّرْنِي لَوْ أُعْطِيتَ بِالْبَرَاءَةِ مِنَّا مِائَةَ دِينَارٍ كُنْتَ تَأْخُذُ؟
قَالَ: لَا، إِلَى أَنْ ذَكَرَ أُلُوفَ دَنَانِيرَ وَالرَّجُلُ يَحْلِفُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ، فَقَالَ لَهُ
مَنْ مَعَهُ سِلْعَةٌ يُعْطَى هَذَا الْمَالَ لَا يَبِيعُهَا هُوَ فَقِيرٌ؟!]
[٢]، والعمل الصالح والولاية هما اللذان يبقيان مع الإنسان ويغنيانه يوم القيامة، وليست الأموال التي تفنى أو يرتحل عنها خالي اليدين.
ويضيف القرآن على لسان من يؤتى كتابه بشماله قوله «هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ» ولعل من أسباب تقديم الحديث عن المال على الحديث عن السلطان أن المال هو طريق الإنسان للسلطة والحكم والهيمنة في أغلب الأحيان. وفي معنى السلطان ذهب أكثر المفسرين القدماء والجدد إلى
[١] بحار الأنوار: ج ٦٩، ص ٥٣.
[٢] بحار الأنوار: ج ٦٤، ص ١٤٧.