من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٥٢ - ولربك فاصبر
صَعُودٌ وَإِنَّ في صَعُودٌ لَوَادِيًا يُقَالُ لَهُ سَقَرٌ وَإِنَّ لَفِي قَعْرِ سَقَرٍ لَجُبًّا يُقَالُ لَهُ هَبْهَبٌ كُلَّمَا كُشِفَ غِطاءُ ذَلِكَ الجُبُّ ضَجَّ أَهْلُ النَّارِ مِنْ حَرِّهِ وَذَلِكَ مَنَازِلُ الجَبَّارِيْنَ]
[١]، ويقال للألم الذي يصل إلى الرأس صعود لأنه يرتفع إليه ولأنه شديد أثره، وربما تتسع الكلمة إلى معنى التزايد فإن العذاب الإلهي في تصاعد مستمر.
ويبين القرآن السبب الرئيسي الآخر الذي يؤدي بالإنسان إلى الشقاء والعذاب في الحياة وهو
أولا: فقدانه بركة رسالات الله وآياته.
ثانياً: اتباعه المناهج البشرية الضالة، واعتماده على فكره الضحل وتقديره الخاطئ.
«إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ» والتفكير هو تقليب وجوه الرأي، والتقدير هو تحويل التفكير إلى خطة بعد الدراسة، يقال: فَكَّر في الأمر وتَفَكَّرَ، إذا نظر فيه وتدبر، لما تفكر رتب في قلبه كلاما وهيأه، وهو المراد من قوله «وَقَدَّرَ» [٢]، وقال العلامة الطباطبائي: والتقدير عن تفكير نظم معاني وأوصاف في الذهن بالتقديم والتأخير، والوضع والرفع لاستنتاج غرض مطلوب، وقد كان الرجل يهوى أن يقول في أمر القرآن شيئا يبطل به دعوته] [٣]. ولقد توهم الوليد بتفكيره وتقديره أن تهمة السحر ستدحض الحق .. وليس الأمر كذلك «فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ»، ولقد ذم الله تفكره لأنه فكر فكرا يحتال به للباطل، لأنه لو فكر على وجه طلب الرشاد لم يكن مذموما بل كان ممدوحا] [٤]، لأن التفكير والتخطيط بإعمال العقل على ضوء المعلومات والمعطيات أمر حسن بذاته، وإنما جاءت رسالات الله وبعث الأنبياء لغرض إصلاح الناس وهدايتهم باستثارة العقول.
بلى؛ إن العقل بذاته وسيلة خير وصلاح، وهو يعمل لصالح الإنسان، ولكن بشرط أن يكون خياره الأول صحيحا، أما لو اختار الباطل ثم استثار عقله في هذه القناة فلن يجني من تفكيره وتقديره سوى الضلال والعذاب، ويُسمَّى ذلك بالمكر وهي حيل الشيطان، وهكذا الفكر، وذلك أنه سلاح ذو حدين، يكون تارة لصالح صاحبه وخير البشرية إذا كان قائما على أساس العقل، ويكون أخرى أداة لدمارها ووسيلة لإشعال الحروب، كما تفعل خبرات القوى الاستكبارية في هذا العصر. إن الإنسان قادر على نيل الحياة بالتفكير والتقدير إذا اختار مسبقا
[١] المحاسن: ج ١، ص ١٢٣.
[٢] التفسير الكبير: ج ٣٠، ص ٢٠٠.
[٣] تفسير الميزان: ج ٢٠، ص ٨٦.
[٤] التبيان: ج ١٠، ص ١٧٧.