من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٩ - إنا سمعنا قرآنا عجبا
رسالته إلى الناس «إِلَّا بَلاغاً مِنْ اللَّهِ وَرِسَالاتِهِ»، و «إِلَّا» تفيد هنا الاستثناء الحصري، وقال «وَرِسَالاتِهِ» بالجمع وليس رسالته بالإفراد لبيان أنه امتداد برسالته لكل رسالات الله السابقة، وأن خط الأنبياء واحد يُكَمِّل بعضه (أفرادا ورسالات) بعضا.
«وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً» ولا تكون معصية الرسول إلا باتباع هوى النفس وسفهاء الأمم من القادة المنحرفين الذين يقولون على الله شططا. وإدخال القرآن لعنصر التخويف بالنار في الحديث عن معصية الله والرسول لأن ذلك يُنمِّي الحذر من الله في النفس، ويضمن طاعة المؤمنين لله والرسول. والآية هذه توازن الموقف من الرسول القائد، فصحيح أنه لا يملك لأحد ضرا ولا رشدا، إنما يملك الناس أنفسهم ضر أنفسهم ورشدها، ولكنه حيث تجرد لله يعتبر مقياسا، ويتحول بشخصيته وموقعه إلى ميزان وقيمة في المجتمع، بحيث يقرن الله رضاه وغضبه وطاعته ومعصيته برضا الرسول صلى الله عليه واله وغضبه وطاعته ومعصيته. وهكذا يصير كل قائد واحد ميزانا بمقدار ما يجسده من قيم الحق في حياته.
ولأن العصاة إنما يتمردون على أوامر الله ورسوله اغترارا بما لديهم من القوة، وبمن حولهم من الأنصار، فإن الله يذكِّرهم بأنهما لا يغنيان عنهم شيئا في تحديهم لرسوله وللحق، باعتبارهما الأقوى ناصرا والأكثر جندا .. الأقوى لأن الله ناصرهم، والأكثر لأن الملائكة وقوى الطبيعة تقف إلى جانب الحق، ومهما تأخر وعد الله بدحرهم والانتصار لحزبه ورسالاته في الدنيا والآخرة فإنه آت لا ريب فيه.
«حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ» من الهزيمة في الدنيا أمام المؤمنين، أو الوعد بالبعث والجزاء الذي راح يشكك فيه ضُلَّال الإنس والجن.
«فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً» ومما يزيد في ضلال العصاة لله ولرسوله بالإضافة إلى الاغترار بالقوة والعدد هو تشكيكهم في صحة وعد الله بالجزاء، ولذلك تراهم لا يفترون يسألون مجادلين عن أجل الوعد. وهنا يتدخل الوحي يسدد المؤمنين في مواجهتهم لتلك التشكيكات والجدليات، بأمرهم ألَّا يخوضوا معهم حيثما شاؤوا فيكون زمام الحوار بأيدي أولئك، وإنما إدارته حيث تقتضي القيم والاستراتيجيات الرسالية، فإن الجدليات التي تصبح هدفا بذاتها كجدلية السؤال عن الساعة لا تنتهي عند حد كما أن الرساليين ليسوا مكلفين بالإجابة عن كل سؤال يطرحه الآخرون إلا في حدود المصلحة الرسالية وحدود ما أوتوا من العلم.