من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١١ - قم الليل إلا قليلا
(٤- ٣) وبعد أن أمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه واله ومن خلاله كل مؤمن بقيام الليل إلا قليلا بوصفه أعلى وأفضل نسبة للقيام، يضعنا أمام ثلاثة خيارات أخرى «نِصْفَهُ أَوْ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ» وقد اختلف في الضمير المتصل بكلمة النصف هل هو عائد على الليل أو على القليل، وبالتالي اختُلف نحويًّا في كون نصْفَهُ بدلا عن أيهما؟. فقال البعض ومن بينهم شيخ الطائفة
نصفه بدل من الليل، كقولك: ضرب زيدا رأسه]
[١]، وقيل
إنه بدل من القليل، فيكون بيانا للمستثنى]
، ويؤيد هذا القول ما روي عن الصادق عليه السلام قال
الْقَلِيلُ النِّصْفُ، أَوِ انْقُصْ مِنَ الْقَلِيلِ قَلِيْلًا، أَوْ زِدْ عَلَى الْقَلِيل قَلِيْلًا]
[٢]، والأقرب- كما يبدو لي- أن الضمير في «نِصْفَهُ» عائد إلى الليل، فيكون المعنى: قم كل الليل إلا قليلا، أو نصفه، أو أقل من النصف بالإنقاص منه قليلا، أو أكثر من النصف بالزيادة عليه.
ونستطيع أن نقول: إن المقصود من الليل في قوله «قُمْ اللَّيْلَ» هو الجنس، وأن المستثنى بعضه، فيكون المعنى: قم كل الليالي إلا قليلها وبعضها، وهي- كما عبر صاحب المجمع-
ليالي العذر كالمرض وغلبة النوم وعلة العين ونحوها) [٣]
، ويؤيد ذلك ما رواه محمد بن مسلم عن الإمام الباقر عليه السلام قال
سَأَلْتُهُ عَنْ قَوْلِ الله تَعَالَى
«قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا» قَالَ
أَمَرَهُ الله أَنْ يُصَلِّيَ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ عَلَيْهِ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي لَا يُصَلِّي فِيهَا شَيْئاً]
[٤] لعذر من الأعذار.
والسؤال: لماذا أمر الله بالقيام على شبه من التردد بين أربعة خيارات دون تحديد؟ لعله للأسباب التالية
١- لأن الفرض المحدد أمر مستحيل في بعض الظروف حتى بالنسبة إلى الرسول والمعصومين الذين يجب عليهم قيام الليل وجوبا شرعيًّا عينيًّا، ذلك أن الإنسان من الزاوية الواقعية عرضة للظروف المتغيرة التي لا يمكنه مقاومتها، كالمرض والحرب والظروف الأمنية، قال علي بن أبي طالب
خَيَّر الله نَبِيَّهُ صلى الله عليه واله في هَذِهِ السَّاعَاتِ القِيَامَ بالليْلِ، وَجَعَلَهُ مَوْكُولًا إِلَى رَأْيِهِ، وَكَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه واله وَطَائِفةٌ مِن المُؤْمِنِينَ مَعَهُ يَقُومُونَ عَلَى هَذِهِ المَقَادِيرِ، وَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِم، فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُم لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى، وَكَمْ بَقِيَ مِنَ الليْلِ، فَكَانَ
يَقُومُ الليْلَ كُلَّهُ مَخَافَةَ ألَّا يَحْفَظَ القَدْرَ الوَاجِبَ حَتَّى خَفَّفَ الله عَنْهُم بِآخِرِ السُّوْرَةِ]
[٥] الذي يشير القرآن فيه إشارة واضحة لواحد من أسباب تعدد الخيارات.
[١] التبيان: ج ١٠، ص ١٦٢.
[٢] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٤٧٨.
[٣] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٥٧٨.
[٤] وسائل الشيعة: ج ٨، ص ١٤٨.
[٥] مجمع البيان: ج ١٠، ص ٣٧٨.