من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣١٠ - قم الليل إلا قليلا
«قُمْ اللَّيْلَ» ولم يقل: (صَلِّ) لأن التعبير بالقيام أشمل من الصلاة، فالقيام يشمل الصلاة المخصوصة وغيرها، وكذلك الدعاء وقراءة القرآن والتفكر والاستغفار، والذي يستتبع محاكمة الماضي بالمحاسبة الذاتية والتفكير المنهجي في المستقبل. إذن فالليل ليس لمجرد النوم والراحة، كلا .. إنما هو فرصة المؤمنين الذهبية للعروج نحو الكمال الروحي والعقلي، والاتصال برب العالمين .. ومن ثم التخطيط السليم للمستقبل، سواء مستقبل الآخرة البعيد، أو مستقبل الغد القريب في الدنيا، حيث السبح الطويل كل نهار. ويتميز الليل من النهار بهدوئه وصفائه، وكون الإنسان فيه بعيدا عن كثير من المؤثرات التي تواجهه في النهار، ولذلك جعله الله ميعاد لقائه بعباده الصالحين.
إن الإسلام يريد لأتباعه أن يقودوا البشرية، ويشيدوا على هداه سعادتها الخالدة، وذلك بحاجة إلى العزيمة العالية، والإرادة الصلبة، ومناجاة الله الذي من عنده كل خير وسعادة .. وقيام الليل يُؤَمِّن لهم كل ذلك، كما أن بلوغ ذلك الهدف رهين السعي المستمر نحوه والذي لا يكفيه النهار مما يدعو المؤمنين إلى مواصلة السعي في النهار بقيام الليل، فلا ينامون إلا قليلا، بلى: إن الهدف عظيم، والفرصة قصيرة، فلا بد إذن من سعي مضاعف، يُسَخِّرون فيه ما يمكنهم من طاقاتهم، وينتهزون لأجله ما يمكن من الوقت.
«إِلَّا قَلِيلًا» من عمرهم يخصصونه لراحة أبدانهم لأن ذلك حاجة طبيعية تفرض نفسها على كل مخلوق، وحيث يستريحون بالنوم فليس لذاته، بل لينهضوا من بعده إلى عمل دؤوب وإنجازات عظيمة، فإذا بك تدرس حياة أحدهم لتقسم إنجازاته على أيام عمره تجده أحيانا يسبق الزمان بإنجازاته الكبيرة، وعلى عكسهم أولئك الذين يستسلمون لحب النوم والراحة، فإن واحدهم يعيش ثمانين عاما في ظاهر الأمر ولكنك حينما تُقَيِّم حياته على أساس الأعمال والمنجزات تجده لم يعش أكثر من عشرين أو ثلاثين سنة، لأنه كان ينام ساعات طويلة في اليوم، أما أوقات يقظته فإنها تضيع بين غفلة ولهو ولعب.
بلى؛ إن الله يريد لنا أن نقوم النصف الآخر من أعمارنا، والذي عادة ما يخسره الناس، قياما نعمره بالعمل الصالح، وأي عمل صالح أفضل من التقرب إليه تعالى، والتدبر في كتابه، واستثارة العقل بآياته فيه وفي الطبيعة؟.
وإذا كان الأمر القرآني «قُمْ» ظاهرا في الوجوب بالنسبة إلى النبي والمعصومين عليهم السلام ومحمولا على الاستحباب لمن سواهم فإن المتقين يتلقونه على وجه الفرض عمليًّا، بحيث يلتزمون قيام الليل كالتزامهم بالصلوات اليومية، انطلاقا من تحسس أهمية هذا الأمر ودوره في حياتهم وشخصيتهم وحركتهم وإيمانا بأن القرآن موجهة آياته إلى كل فرد فرد، وإليهم بصورة أخص من العالمين.