من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٧ - حقيقة التدبر في القرآن الحكيم
بينما غاية التدبر شيء آخر، فالكلمة مشتقة من (الدُّبْر) وهو مؤخرة الشيء ونهايته، وهذا يوحي بأن التدبر هو تجاوز ظواهر المعاني والغور إلى معرفة ما وراءَها.
قال العلامة الطبرسي قدس سره: [التدبّر: النظر في عواقب الأمور] [١]. وعاقبة الأمر هي ما يؤول إليه الأمر، وهو تأويله. قال الله سبحانه وتعالى هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِ [٢]، وقال عزوجل في قصة يوسف عليه السلام قَالَ لا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ [٣]. فتأويل الإنذار هو تحقق ما انذر به واقعًا، وتأويل الرؤيا تحوّلها إلى حقيقة واقعة، ويبدو أن التدبر هو البحث عن التأويل.
فلهاتين المفردتين (التفسير، التدبر) أبعاد مختلفة
١- التدبر ممارسة آلية للفهم، بيد التفسير توضيح للفهم الذي يحصل عند المفسِّر.
٢- غاية التدبر أوالتفسير- نظريا- مختلفة. فغاية التدبر معرفة العاقبة والبحث عن النظائر والمصاديق في الخارج ليقترب من التأويل. وغاية التفسير هو تبديد الغموض المرتبط بظاهر الآيات، بغض النظر عن المصداق في الخارج، فالتفسير يستهدف تبيان الصورة العامة للآية. بَيْد أن دراسة هذا الظاهر للنفاذ للباطن (السنن العلمية) هو هدف التدبر. لذا فإنّ التفسير يهتم بالتحليل اللغوي أكثر مما سواه، ويأتي التدبّر من بعده لأنّه ينطلق إلى السنن الكامنة وراء ظاهر الآية.
٣- كلمة (التدبر) هي من الصيغ التي تنطوي على الإشارة إلى بذل المجهود في الأمر، والذي يستخدم الإنسان فيه طاقاته، فكلمة (تَصَرَّفَ) غير كلمة (صَرَفَ) إذ الأولى تعني السيطرة على الشيء، ومحاولة صرفه بقوة أو بجهد، كذلك (التحدُّث) يعني إستخدام الجهد في الحديث، وهكذا فإن (التدبّر) يعني بذل الجهد في التفكير للوصول إلى معرفة عواقب الأمور.
نعم هذه المفارقات دلالية، بينما في الواقع الخارجي قد نجد في أعمال كثير من المفسرين أنّه من نوع التدبّر إذ يتجاوز الظاهر إلى الواقع، بلى إن مفردة (التفسير) قائمة على الكشف ولا تشير إلى الجهد ولا إلى العمق، بينما في مفردة (التدبّر) نجد إشارة إلى بذل الجهد في سبيل الوصول إلى العمق.
[١] مجمع البيان: ج ٣، ص ٣٧٠.
[٢] الاعراف: ٥٣.
[٣] يوسف: ٣٧.