من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٨ - بين العلم والتذكرة
إنَّ هذه القيم الفاضلة إنطوت عليها فطرة كل بشر، كما أنَّ إنكار الفحشاء والبغي من فطرة البشر أيضا، والى ذلك تشير الآية الكريمة الأخرى، حيث يقول الله تعالى وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [١].
هذه الآية الكريمة توحي بأن هذه القيم؛ الوفاء بالكيل والميزان بالقسط، والقول بالعدل، والوفاء بالعهد، تلكم وصايا الله تعالى التي لابد أنْ يتذكَّرها الإنسان وتتبلور فطرته بها حتى يعمل بها بصورة عفوية وانبعاثا من فطرته ومن داخل نفسه.
شروط التذكرة
وبالرغم من أنَّ التذكرة أبسط مرحلة من مراحل المعرفة، وإنها- كما هو معروف- تعني الانتباه وإثارة المعارف الكامنة في فطرة البشر، إلا أنَّ الكثير من الناس يعرضون عن التذكرة بسبب مواقف سابقة لديهم،- وبالتالي- ليس كل من ذُكِّر يتذكر، وإنما فقط من أراد ان يتذكر هو الذي يمكن أنْ يتذكر، فأهم شرط من شروط التذكرة عقد عزمات القلب عليها.
ومن شروط التذكرة؛ التقوى، والخشية، وأن تكون لمن أرادها أذن واعية.
ومن هنا، فإنّ الداعي إلى الله ثمَّ إلى الحق إنما يختار لدعوته الذين يجد لديهم أرضية طيبة لكلمته، ويترك الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغَرَّتهم الحياة الدنيا، يقول الله سبحانه وتعالى وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ [٢].
التذكرة وتعقل الوحي
إنّ سجال الفلسفة البشرية في الجدل حول (النقل والعقل) والعلاقة بينهما ما زال يصطنع المذاهب. وإذا كنا ننحى بعيدًا عن تطرّف النقل أو العقل بحسب ما درجت عليه عبارات البشر، فإنّ المعضلة الحقيقية تكمن عند اولئك في القدرة للوصول إلى معادلة التوازن
[١] الانعام: ١٥٢.
[٢] الانعام: ٧٠.