من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٧٩ - ظروف الهزيمة، ومسؤوليات القيادة
مثل رؤية القيادة، فعليها أن تصلح رؤيتهم، قبل إصلاح صفاتهم أو أعمالهم.
من هنا يجب أن تتعود القيادة على العفو، ولكن لا يعني العفو السكوت إلى الأبد عن الانحراف، بل يجب العمل من أجل إصلاحه. وذلك بالاستغفار (طلب الغفران من الله)، والدعاء بالمغفرة- كأي دعاء آخر- يجب أن يقرن بعمل مناسب، وهو محاولة الإصلاح.
ثم إن القيادة يجب أن تقوم برفع مستوى الناس، وذلك عن طريق التشاور. ذلك أن التشاور يجعل الناس يتحسسون بمسؤولياتهم، فيفكرون في شؤونهم بجدية أكثر، ويحاولون إصلاح أنفسهم بأنفسهم، كما أن القائد يضطر من خلال التشاور إلى بيان مختلف وجوه الأمر للناس، مما يعمق فيهم معرفتهم بالحياة، ويجعلهم أكثر إحساسا بواجباتهم تجاهها.
بيد أن هذه الصفات يجب ألَّا تُنزل القائد إلى مستوى منسق بين الآراء، أو الإرادات فقط، بل عليه أن يحتفظ بحقه في اتخاذ القرار الحازم. ذلك لأن الأمة التي تفقد (القرار) تفقد كل شيء، لأن القرار هو الذي يتجاوز الاختلافات، ويعطي دفوعات هائلة للأمة باتجاه تجاوز العقبات، التي تضخمها عادة الخلافات في الرأي.
من هنا فقد قال الله فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ القائد يجب أن يكون صاحب قرار، ولكن القرار يحتاج إلى قوة إرادية هائلة، من أين يأتي بها القائد؟ من التوكل. ذلك أن التوكل على الله (وليس على الناس) يجعل القائد سابقا لأمته، رائدا في مسيرتهم، يعطيهم أبدا روحا جديدة، ويجعله أكثر حزما وإقداما .. وبالتالي أكثر قدرة على تفجير طاقات أمته وتحريك فاعلياتها.
[١٦٠] وبمناسبة الحديث عن التوكل، يذكرنا القرآن بدور التوكل في حياة المؤمنين ويقول إِنْ يَنْصُرْكُمْ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُؤْمِنُونَ فليست القيادة وحدها التي ينبغي أن تتوكل على الله، بل المؤمنون أيضا، وذلك لأن النصر الحقيقي آت من الله، ومن رسالته التي يتمسك بها المؤمنون، وليس من قوة السلاح أو كثرة العدد.
[١٦١] ويتابع القرآن حديثه عن القيادة، وعن الشكوك التي حامت حولها بسبب جو الهزيمة، والشائعات المفروضة، التي بثها المنافقون وزرعوها في النفوس الضعيفة ويقول وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ النبي الذي اختاره الله ليس ممن ينطوي قلبه على نية سوء لامته، ويتظاهر بغيرها، ذلك أن هذه الازدواجية سوف تنكشف في يوم القيامة، حيث تبلى سرائر الناس جميعا.