من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٨٤ - القتال في الإسلام أهدافه وأحكامه
الهدف الحضاري للقتال
[١٩٣] والقتال في حالة اشتعاله ذو هدف حضاري هو القضاء على الفساد بكل ألوانه (التفرقة، حكم الجبابرة، الأنداد الباطلة، أسباب الظلم) وإقامة حكم الله في الأرض، لا حكم طائفة على طائفة، أو أشخاص على أشخاص حكم الله الذي يطبق على القادة كما يطبق على الناس.
وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ الدين بمعنى الالتزام بالسيادة، أي حتى يلتزم الناس جميعا بحكم الله في الأرض.
مرة أخرى يذكر القرآن بأن الهدف من القتال، ليس القتال ذاته، بل هو وسيلة مرحلية فقط، فهو لدرأ الفتنة التي تحول بين الناس والدعوة فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ الذين يعتدون على الناس، فيسترد النظام الإسلامي حقوق الناس منهم بالقوة.
متى تحفظ الحرمات؟
[١٩٤] ويبقى سؤال: لماذا سمح الله للمسلمين بالقتال عند المسجد الحرام، أو في الشهر الحرام، حيث كان العرب يعتبرون القتال حراما فيهما؟ أفليس الإسلام دين سلام؟
ويجيب الله على هذا السؤال بالقول الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ إن حرمة الشهر الحرام كانت تعطي فترة من الهدوء للعرب، لعلهم يحلون اختلافاتهم سلميًّا، ولكن بعضهم كان يستغل هذا الهدوء، لشن حروب عدوانية ضد المسلمين، فأمر الله الأمة بالرد عليهم. إذ إن الحرمات قصاص، فما دام الفرد يحترم حقوق الآخرين، تحترم حقوقه. أما إذا اعتدى عليها، فإن الواجب استرداد الحقوق منه بالقوة وهذه الآية تفتح آفاقا واسعة في التشريع الجنائي.
وبالطبع حتى هنا لا يجوز الاعتداء عليه أكثر من اعتدائه، ويؤكد القرآن هذا الواجب وفي الوقت ذاته يحدد أهم قضية أرادها من الحديث عن القتال هنا ويقول وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ الأمة الإسلامية والفرد المسلم يجب أن يكونوا ملتزمين بحدود الله ولا يتجاوزونها، وهذه من أهم مسؤوليات الأمة.
الإنفاق ضرورة قتالية
[١٩٥] وبمناسبة الحديث عن القتال، تحدث القرآن عن الإنفاق، باعتباره ضرورة