من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٧٣ - فلسفة القصاص
والإسلام دين القانون ودين الرحمة في الوقت ذاته. فهو ذو قانون محدد ولكنه مؤطر بالرحمة، لتخفيف صرامة القانون في ظروف معينة. ولكن هذه الرحمة وُضِعت لكي يتحول الجاني بسببها إلى رجل صالح في المجتمع، وإذا كانت الرحمة بالنسبة إليه تشجيعا له على متابعة أعماله الجنائية فهنا يجب أن يكون المجتمع صارما معه أيضا فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
[١٧٩] لماذا القصاص؟ لماذا نقضي على حياة إنسان قضى على حياة غيره؟ أوَليَست هذه الحياة الثانية محترمة كالتي قُضِي عليها؟
بلى، ولكننا لا ننظر إلى هذه الحياة أو تلك بقدر ما ننظر إلى حياة المجتمع كله، وضرورة المحافظة عليها كلها، وعبر هذه النظرة نرى ان القصاص ضرورة حياتية وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ إذ إنه يبني سورا منيعا حول حياة المجتمع كله، فيقتل نطفة الجريمة في مهدها، ولا يدعها تنمو حتى تتحقق، لان العقاب شديد وصارم. وإذا ألغي مبدأ القصاص فيمكن أن تتسع عمليات القتل الدفاعية في الأمة، إذ قد يحس كل فرد انه يتعرض للقتل من قبل خصومه فيبادر بقتلهم، وهكذا تنتشر الجريمة، وربما دون أي مبرر سوى الخوف الباطل. لذلك يقول القرآن في فلسفة القصاص والهدف من تشريعه لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أي الهدف منه هو إيجاد رادع عن الجريمة في المجتمع، يتقي الناس به من ارتكابها.
الوصية وحق الأموال
[١٨٠] وبمناسبة الحديث عن حرمة النفس والقصاص الذي ينتهي بالموت، يتحدث القرآن عن الوصية باعتبارها تثبت حق الفرد في أمواله حتى بعد الممات، وبذلك يتكرس هذا الحق في حالة الحياة بالطبع، والوصية مكتوبة على ذوي اليسار الذين ينبغي أن يُوصوا لأقاربهم.
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ إن هذه الوصية حق ثابت على المتقين لكيلا يضيعوا حق والديهم وأقاربهم. ولم يتحدث القرآن عن الوصية للأولاد، لأنهم الجيل الصاعد والوارث الطبيعي للآباء، ولكن ينبغي أن يوصي الوالد لابنه المحتاج إلى عطف إضافي وتمضي الوصية في ثلث أموال الميت، وهكذا جاء في الحديث الشريف- كما في مجمع البيان-: [قد روى أصحابنا عن أبي جعفر عليه السلام أنه سئل هل تجوز الوصية للوارث فقال
نَعَمْ
، وتلا هذه الآية] [١].
[١] مجمع البيان: ج ١، ص ٢٦٧.