من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٤٧ - القبلة رمز وحدة الأمة
لأنفسنا ووفق حاجات عصرنا، وإن فعلوا شرا فلأنفسهم، وعلينا إلا نعمله ونبرر ذلك بأنهم فعلوه، إذ قد يكون الذي عملوه في عصرهم خيرا لأنفسهم وهو شر بالنسبة إلى واقعنا، من هنا قال الله لنا بصراحة تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ من خير أو شر وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ بل إنما تسألون عما تعملون أنتم، ولذلك يجب أن تستقلوا في تفكيركم، وفي أعمالكم، مادمتم أنتم مجزيين بذلك دون غيركم.
[١٤٢] والسفهاء وحدهم يزعمون أن الواقع يجب أن يبقى بحجة أنه الحق. كلا، إذ قد يكون الواقع حقًّا بالنسبة إلى عصر دون عصر، وقداسة القبلة ليست بسبب أن الله موجود في مكان القبلة. بل لأن الله أمر بذلك، يقول الله تعالى سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا زاعمين أن الواقع السابق للأمة حيث كانوا على قبلة معينة، يجب أن يظل قائما، كلا.
قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ إذ الصراط المستقيم في العمل هو: وجه الله سبحانه، وليس التوجه إلى المشرق والمغرب.
[١٤٣] والتوجه إلى الكعبة لم يشرع في الإسلام، إلا لكي يجعل الله من المسلمين أمة متميزة عن الأمم الأخرى، ورقيبة على مدى تطبيق سائر الأمم لتعاليم الله، في الحق والحرية، والعدالة الاجتماعية، ولو كانت الأمة متجهة إلى قبلة أهل الكتاب لم تكن قادرة على توجيه مشركي العرب المعتقدين بالكعبة، كما أنها لم تكن تستطيع توجيه اليهود والنصارى الذين كانوا يزعمون أنفسهم- آنئذ- أصحاب القبلة، ويعتقدون أن المسلمين مجرد أتباع لهم، لذلك قال الله تعالى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً هداكم الله إلى صراط مستقيم هو: الصراط الوسط بين تطرف الناس ذات اليمين وذات الشمال، بين تطرف اليهود إلى المادية وتطرف النصارى إلى الرهبانية، بين الحرية الفوضوية وبين الاستبداد الغاشم، بين ظلم الفرد للجماعة، وظلم الجماعة للفرد، والهدف من الأمة الإسلامية أن تكون شاهدة على مسيرة الأمم الأخرى.
لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ماذا يعني الشهداء على الناس؟
لعله يعني أن تكونوا موجِّهين لهم نحو مبادئ الرسالة، بمثل ما يكون الرسول شهيدا عليكم وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً المسؤولية ذاتها التي يتحملها الرسول تجاهكم، يجب عليكم أن تتحملوها تجاه الأمم الأخرى، وفي مناسبات أخرى تحدث القرآن عن مسؤوليات الرسول تجاه أمته وعلينا مراجعتها لنعرف مسؤولياتنا تجاه الأمم الأخرى.
إذن من أبعاد الوسطية التوسط بمعنى الشهادة والقيام بالرسالة بين الناس والرسول،