من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٣١ - التسليم لله هو الميزان
الصحيح فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، أما من تمسك بالأماني فعليه أن يخاف من المستقبل وسوف يحزن على أيامه التي قضاها في الدنيا عاطلا عن العمل معتمدا على هذه الأماني الباطلة.
[١١٣] ومثل هؤلاء مثل اليهود والنصارى الذين اتخذوا الدين أماني، وطبقوه على أحلامهم، وكرسوا به تناقضاتهم التي ركبوها على دينهم الباطل وَقَالَتْ الْيَهُودُ لَيْسَتْ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتْ النَّصَارَى لَيْسَتْ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ في حين تجد أن كلا منهما يقرأ الكتاب نفسه ويطبق التعاليم ذاتها وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ فلابد أن يوحدهم هذا الكتاب، وهل من كتاب لله يفرق بين الناس أم انهم حرَّفوا معاني الكتاب وفسروه حسب أهوائهم؟ وهذا يعني أنهم لم يستفيدوا من كتابهم شيئا حيث إن الذين لا كتاب لهم أيضا يختلفون بعضهم على بعض كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ.
[١١٤] لأن هؤلاء يختلفون مع بعضهم في الدين فإنهم يمنعون رفاقهم من دخول معابد أعدائهم، ويشنون حربا دعائية ضدها، ولكن السؤال الموجه لهم: انتم تخالفون بعضكم في قضايا مادية، فلماذا تمدون هذا الخلاف إلى الدين وإلى عبادة الله؟!
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا وبهذه الطريقة يشيعون حول المساجد جوًّا من الخوف والريبة إذ يتهم كل فريق معبد الفريق الآخر مما يجعل المساجد موضعاً للتهم والخلافات ولذلك أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ الخزي في الدنيا لطغيانهم على بعضهم، والعذاب في الآخرة لتغييرهم الدين، وتحريفهم مبادئ الوحدة والتضحية فيه.
تضخيم الاختلافات
[١١٥] الخلافات القائمة بين الأديان ليست كبيرة، وإنما ضخَّمها أصحاب المصالح المادية من اجل الاكتساب منها. كاختلاف القبلة مثلا، فالله هو الإله في السماء والأرض وفي المشرق والمغرب وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ، واسع تشمل قدرته كل الجهات، وعليم بمن يعبده أنى اتجه شرقا أو غربا. المهم عند الله هو التسليم، ومخالفة الشهوات العاجلة من أجله، وليست الجهة التي يعبد الناس ربهم إليها. كل هذه من القضايا غير الأساسية التي يضخمها أصحاب الاختلافات ابتغاء الوصول إلى مكاسب مادية من وراء الاختلاف.