من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢١٨ - السحر والشعوذة نهاية المطاف
يختار الهوى بحجة بالغة عليه.
وهكذا كلما أرسل الله رسلًا نشط شياطين الجن والإنس في إثارة الفتن وحاولت إما مواجهتها بالشعر والسحر وإما تحريفها.
ومن هنا نقرأ في سورة الحج الآية التالية وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ [الحج: ٥٢- ٥٣].
وهكذا كان مع كل نبيٍ شياطين ينحتون من وساوسهم لكل حقٍ باطلًا، ولكل هدى ضلالة، و لكل آيةٍ كريمة سحراً. وهكذا كان مع النبي سليمان عليه السلام أولئك الشياطين الذين ألقوا في ملكه المزيد من الوساوس ونشروا المزيد من الضلالات، ثم نسبوها إلى نبيهم تزييفاً للدين وتبديلًا للكلم عن مواضعها. وحاشى لله أن يأمر نبي عظيم كسليمان قومه الأخذ بالسحر.
وهذه الفئة من شياطين الجن والإنس هم الذين حرّفوا ما نزل على موسى وعيسى عليهما السلام وادخلوا في الدين خرافات الفلسفة وأساطيرها.
وهم الذين أدخلوا في تفاسير القرآن الروايات الإسرائيلية ونسبوا إلى نبينا العظيم صلى الله عليه واله الأحاديث المخالفة للعقل والوحي.
ثانياً: إن السحر (كما وساوس الفلسفة والتصوف وتخيلات الشعراء) يختلف عن الوحي وما يثيره الوحي من دفائن العقل، ومحور الاختلاف إن مصدر السحر الشياطين الذين يوحون إلى أوليائهم، بينما مشكاة الوحي هم الملائكة الذين ينزلون على الأنبياء بالبصائر الواضحة. وهكذا كانت نسبة السحر إلى الملكين هاروت وماروت دجلًا وكفراً لأن الله سبحانه وتعالى لا يأمر بالسحر ولا ينزل الملائكة به.
بلى؛ كانت حسب نصوص مأثورة قد اجتاحت موجة من السحر بلاد بابل بعد الطوفان فأنزل الله على الأنبياء الملائكة يعلمونهم ما يبطل السحر ويفضح السحرة. فإذا بالدجالين ينشرون شائعة بأن الملكين قد نزلا بالسحر وإنما هما نزلا بإبطاله.
لنقرأ معاً جزءاً من حديث مأثور في هذا الأمر
قال الإمام الصادق عليه السلام
[وَكَانَ بَعْدَ نُوحٍ عليه السلام قَدْ كَثُرَ السَّحَرَةُ وَالْمُمَوِّهُونَ فَبَعَثَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ مَلَكَيْنِ إِلَى نَبِيِّ ذَلِكَ الزَّمَانِ بِذِكْرِ مَا يَسْحَرُ بِهِ السَّحَرَةُ وَذِكْرِ مَا يُبْطِلُ بِهِ سِحْرَهُمْ وَيَرُدُّ