من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٣ - القرآن بين التزكية والتعليم
ونلاحظ وجود منعطف صارخ في سياق بعض الآيات الهدف منه بيان حقيقة علمية ترتبط بواقع التزكية التي يهدفها ظاهر السياق.
فمثلا يقول الله سبحانه وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكَافِرُونَ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (٢٦)* وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ [١]. نرى في السياق منعطفا صارخا عند قوله سبحانه وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ حيث لا يرتبط ظاهرا بما قبله من قوله تعالى وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وبما بعده من قوله سبحانه وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا.
ووضع هذا المنعطف إنما هو لبيان سنة فطرية تجري في العباد، هي فقدهم للتوازن إذا ثقلت عليهم النعم، باعتبار أن النعمة بحاجة إلى قدر من التحمل والضبط، ربما بقدر أو أكثر مما تحتاج النقمة إليها.
إن إبداع هذا المنعطف في سياق الآية الذي يبدو مستقيما بدونه- إنما هو لهدف بيان الحقيقية العلمية، في ثنايا التوجيه النفسي، ليس فقط من أجل توظيفها في خدمة التزكية، بل وأيضا من أجل بيانها للناس.
الثانية: والأسلوب التربوي الذي يتبعه القرآن الحكيم- في تزكية النفس- أسلوب علمي بذاته. إنه أسلوب مرحلي يتابع مراحل التزكية، بما يتناسب معها من الإثارة العاطفية، والتوجيه الفكري والزخم الإيماني. إنه أسلوب يربط- بحكمة بالغة- بين الفكرة الموظفة والهدف المنشود.
و بكلمة: إن البشرية تسعى منذ قرون في سبيل وضع مناهج علمية للتربية والقرآن سبق البشرية جميعا في استخدام كل هذه المناهج وغيرها مما يطول بيانها تفصيلا.
وهذا يهدينا إلى حقيقتين
١- إن بوسعنا معرفة المناهج العلمية الأصوب عن طريق تتبع المناهج القرآنية آية آية، وموضوعا بموضوعاً.
٢- إن بوسعنا الانطلاق من نقطة واحدة في دراسة هذه المناهج إلى قاعدة شاملة عند
[١] الشورى: ٢٨ ٢٦.