من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٦٣ - لنعد إلى سنن التاريخ
بما أن النبي محمد صلى الله عليه واله رسول، فإنه يتبع سيرة الرسل من قبله. وهم لم يتقدموا إلا بالقتال ومعهم الربيون من أصحابهم، وهم (الربيون) كانوا بشرا يذنبون ويسرفون، ولكنهم كانوا مؤمنين يستغفرون ربهم، ويطلبون منه أن يثبتهم على الجهاد؛ ولذلك انتصروا في الدنيا والآخرة معا.
بينات من الآيات
[١٣٧] الحياة الاجتماعية كالحياة الفردية، لها أنظمتها وقوانينها (وحسب التعبير القرآني سننها)، وعلينا أن نكتشف هذه الأنظمة، حتى نستفيد منها في واقعنا، ولكن كيف؟! إننا حين نريد أن ندرس حياة الفرد، نخضعه للتجربة بعض الوقت، نقيس ضغط دمه، ودرجة حرارته، ودقات قلبه و .. و .. ثم نعرف طبيعته، أما المجتمع فكيف نقيسه؟ أفضل طريقة للقياس، هي العودة إلى التأريخ، ففيه دورات كاملة للحياة الاجتماعية، حضارات نشأت وسادت، ثم بادت بفعل أنظمة حتمية، وسنن إلهية لا تتحول.
وعندما نريد أن نقيس مدى تقدم رسالة، يجب ألَّا نقيسها بمنظار تحليلي، كأن نقول: كم عدد أفراد هذه الرسالة؟ ما هي ميزانيتها المالية؟ وما هي خططهم العسكرية؟ كلا بل بمقياس تأريخي فنقول: كم هي نسبة الحقيقة فيها؟ وكم مقدار إيمان أصحابها بها؟ وما هي نقاط الضعف في مجتمعات أعدائها التي ستقضي عليها؟ وهكذا.
وحين نعود إلى سنن الله في التأريخ، نجد أن الحق ينتصر بشرط وجود مؤمنين صادقين به. لذلك يذكرنا القرآن بهذه الحقائق فيقول قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُروا إلى آثار تلك الأمم التي كانت من قبلكم ثم خلت وخلفت وراءها العبر والدروس، أهمها أن سبب انتهائها كان شيئا واحدا هو التكذيب بالحق فانظروا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ.
[١٣٨] وفي مجال الحديث عن سنن الله في الحياة يأتي الحديث عن القرآن، ذلك أن دوره دور المذكر بتلك السنن، حيث يلفت أنظار الناس إليها. ولكن الذي يستفيد منها المتقون فقط، حيث يهتدون إلى حقيقة السنن، ويطبقون دروسها على أنفسهم (يتعظون بها) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ الذين يتقون ربهم، ويستعدون للالتزام بالحق، يكتشفون الحق. أما الذين يهتمون بأنفسهم، وبأهوائهم وشهواتهم فإنهم لايعرفون الحق. لأنهم أساسا لا يريدون الاهتداء إليه.