من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٤٠٠ - الجماهير بين تقديس الذوات وبصائر القرآن
المسؤولية. في الوقت الذي لم يستطع أولئك الرجال أن يصلوا إلى تلك الدرجات العالية من دون العمل الصالح المخلص لله، والعبودية المطلقة لسلطانه العظيم.
من هو عيسى عليه السلام؟ إنه مجرد عبدٍ لله. كانت أمه مريم عليها السلام وكانت جدته امرأة صالحة. وكان هو من أنبياء الله عليهم السلام، وحملة المسؤولية وكان أهلا لها. إن معالجة السياق لمشكلة تقديس الذوات، من خلال تقديس أنبياء الله العظام، أفضل وسيلة لضرب هذه الفكرة، التي هي قاعدة التمييز العنصري. والسبب أن الله فضَّل أنبياءه عليهم السلام، وأكرمهم، وحمَّلهم أقدس رسالة، وخصهم بأكبر نعمة، هي العبودية له. ولكن مع كل ذلك لم يرتفعوا إلى درجة القداسة الذاتية، التي تبعدهم عن مسؤولية أعمالهم. فكيف إذا قدسنا بشرا عاديين، أمثال فرعون وهامان أو آخرين.
إن الشعوب الإسلامية تردت اليوم إلى حضيض تقديس الذوات التاريخية والمعاصرة. فهي تقدس السلاطين، والخلفاء، والعلماء السابقين إلى درجة تحجبها عن تقييم أعمالهم، وأفكارهم. كما تقدس السياسيين والقادة المتسلطين عليها، وهذه فكرة متخلفة تجدها أيضا في الشعوب البدائية.
والقرآن كتاب هدى ونور جاء لينقذ الإنسان من أغلاله الفكرية، والاجتماعية، ولا ريب أن من أسوأ تلك الأغلال: هو تقديس الذوات، فجاءت في هذه السورة، قصة آل عمران دليلًا على أن الله لم ينتخب أنبياءه عبثا، بل لأنهم كانوا من ذرية طيبة. فبدأت الآيات: بالأمر بالاتباع والطاعة لكتب الله ورسله، ثم بينت طريقة اصطفاء الله لرسله الذين لا يختلفون عن بعضهم في شيء، فذكِّرت بأن التربية الصالحة، وصدق إيمان الأم، وتقوى الأب، هذه هي من عوامل الاصطفاء.
لقد كانت مريم عليها السلام صديقة، لان أمها نذرتها لله. أما يحيى عليه السلام فقد أصبح نبيًّا صالحا، لأن أباه عليه السلام دعا ربه .. ولم تصبح مريم عليها السلام صديقة، بنذر والدتها فقط، كما أن يحييعليه السلام لم يصبح نبيًّا، لدعاء والده فقط. بل لعملهما أيضا.
بينات من الآيات
كيف نحب اللَّه؟
[٣١] هل يكفي أن نحب ربنًّا حبا صوفيًّا ساذجا؟ كلا، الحب الصادق هو الذي يعكسه العمل الصالح وإلَّا فهو ليس سوى خداع للذات. والله لا يحب أحدا من دون العمل. بيد أن