من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٩٢ - نتائج ضعف الروح الدينية
عنهم. وكذلك حبطت أعمال هؤلاء في (الآخرة) لأنه كما جاء في آية أخرى إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ [المائدة: ٢٧].
وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ فلا تنصرهم أعمالهم المحبطة. كما لا ينتصر لهم تأريخهم الحافل بالجرائم أو انتماؤهم الكاذب إلى الرسالة.
تفسير الدين على الهوى
ثم تناولت الآيات المشكلة الثانية وهي تفسير الدين حسب أهوائهم .. فقالت
[٢٣] أَلَمْ تَرَى إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنْ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ، إن هذا الكتاب هو كتاب اليهود الذي جاء ليرفع اختلافهم ويوحد طاقاتهم، فبدل أن يتحاكموا إليه، ويتنازل كل فريق عن أهوائه، وآرائه، ومصالحه تسليما لأمر الكتاب وخضوعا لحكمه، بدلا من ذلك أعرضوا عن الكتاب وبذلك جردوا واقعهم الاجتماعي من أهم منفعة فيه.
إن أية أمة رسالية لا تستطيع الاستمرار والتصاعد إذا لم تجعل كتابها المقدس فوق رغباتها ومصالحها، والأمة الإسلامية لا تخرج بالطبع عن هذه القاعدة.
ولكن يبقى سؤال: ما هي العلة وراء رفض الاحتكام إلى الكتاب؟
تجيب الآية التالية
[٢٤] ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ فالفكرة العنصرية هي التي فرَّغت واقع الأمة من الروح الرسالية، وأبقت الممارسات الدينية مجردة من محتوياتها الاجتماعية الإصلاحية. إذ الأمة لا ترى في البدء تفضيلا لها على سائر الأمم إلا بقدر توفر قيم الحضارة فيها من التعاون على البر والتقوى والنشاط والتنظيم، ولذلك تتسابق إلى بلوغ المزيد من هذه القيم. ولكنها قد تصل إلى درجة من التشبع الحضاري [١] فتتحول نظرتها إلى ذاتها، وتحسب أنها مفضلة على غيرها لما فيها من روح إلهية، وما في غيرها من طينة العبودية، وآنئذ لا تجد في ذاتها باعثا إلى عمل الخير، أو رادعا عن فعل الشر. فماداموا قد خلقوا لرضوان الله والجنة، خيرا عملوا أم سوءاً، ومادام أعداؤهم قد خُلِقوا لسخط الله والنار، مهما عملوا من خير أو شر فلماذا
[١] الاشباع والاحساس الكاذب بالوصول الى قمة العلم والمعرفة والايمان والتطور، والانخداع بمكيدة شيطانية تؤكد لهم قربهم الكبير من الله تعالى.