من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٨٥ - الحياة بين آفاق المستقبل وشهوة الحاضر
من هنا يفضل البشر الشهوات الحاضرة على التطلعات البعيدة المدى، فالطالب يفضل الراحة والكسل عن تحصيل العلم، على الميزات التي يحصل عليها بعد التخرج، كما يفضل العامل صرف راتبه بالكامل في سبيل راحته، على تحويله إلى رصيد، يشتري به اسهما في شركة رابحة.
وعقل الإنسان، يدفعه أبدا إلى الموازنة، بين المستقبل وبين الحاضر فيأمر الطالب بالاكتفاء بشيء من الراحة، والجهد من أجل الحصول على راحة أكثر بعد التخرج، وكذلك يأمر العامل بادخار علاوة معاشه من أجل أيام ضعفه.
والعلاقة بين الدنيا والآخرة هي العلاقة ذاتها بين الحاضر والمستقبل؛ إذ تدعونا الشهوات إلى صرف كل طاقاتنا في الدنيا حتى إذا انتقلنا إلى الدار الآخرة لا نجد فيها شيئا في حين أن العقل يدعونا إلى الموازنة بين الدنيا والآخرة.
وحين يتطلع الإنسان إلى الآخرة فإن مستقبل دنياه أيضا مضمون، إذ كل عمل يوفره البشر للآخرة يعطيه مردودا دنيويا أيضا.
وحين يهتم المرء فقط بالدنيا وشهواتها الحاضرة يكفر بالمستقبل لأنه لا يراه بل لا يريد أن يراه، وهكذا تحجب عنه جدران الشهوات النظر إلى رحاب المستقبل الواسع.
وحب الإنسان للشهوات طبيعي، كما أن تطلع البشر إلى مستقبل الحقيقة فطري إلا أن المهم ألَّا يختار المرء الواحد على الآخر. من هنا عبَّرت الآية عن الشهوات بأنها زُيِّنت للنفس.
وشهوات النفس تتدرج إلى أنواع هي
١- شهوة الجنس- والبنين.
٢- شهوة الخلود ومتطلباته من الثروة الطائلة كالقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والقنطار يعني المال الكثير.
٣- شهوة الرئاسة والفخر، ومتطلباتهما من الخيل المسومة، أي المعروفة لمن هي، والأنعام والحرث.
تقول الآية زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنْ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا إلا أن هذه الشهوات العاجلة يجب أن تبقى في حدودها المعينة وذلك بالتفكر في أن هناك تطلعا أسمى منها يجب أن يوازن به الإنسان حياته، ذلك التطلع هو ما عند الله، فماذا عند الله؟.