من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧٣ - رسالات الله بين الوحدة والعنصرية
بشر كسائر البشر. إلا أنه بشر يتميز باتباعه للحق وتجسيده له.
والحق الذي نزل به القرآن على النبي صلى الله عليه واله، هو التعبير الموجز عن التوافق بين الطبيعة وحياة الإنسان. وان التشريع السليم للحياة ينبغي أن يكون متناسبا مع الطبيعة وخالق الطبيعة العليم بها، ومدبر شؤونها، والقيوم عليها، أجدر بأن يشرِّع للحياة وينظمها، ويقوم على تسيير هذا النظام.
والتشريع الموحى في الكتاب (القرآن) قديم قدم الإنسان ذاته وقدم حاجته إلى النظام، وعلم الله هو الآخر قديم. لذلك كان كتاب الله الأخير مصدقا لكتبه الأولى. لأن المشكاة التي أضاءت الحياة بالقرآن، هي التي أعطتهم الإنجيل والتوراة. فكل هذه الأنوار آتية من مصباح واحد.
[٤] مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ
والقرآن والإنجيل والتوراة، وكل رسالات السماء نور واحد يستهدف غاية واحدة هي توفير الهدى للناس. ولماذا الهدى؟ لأن في الحياة خير وشر، صحيح وسقيم، صالح وطالح، فكيف يميِّز الإنسان الخير عن الشر. أوَلَيس بمقياس؟ وبميزان وبقيم وبالتالي بفرقان يفرق بين الحق والباطل؟ ومن هنا أنزل الله الْفُرْقَانَ.
الذين يهتدون بالرسالات السماوية ويتمسكون بالفرقان، يميزون به الحق من الباطل، والخير من الشر، فطوبى لهم، أولئك لا خوف عليهم. أما الذين كفروا بآيات الله فماذا تنتظر لهم، هل تنتظر كفاية الدرب وبلوغ الهدف؟
كلا بل لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وأي عذاب أشد من الضلال، ومن الانفلات في فوضى الحياة والوقوع في المهالك.
والله سبحانه لا يتركهم يعانون من عذاب شديد في الدنيا فحسب، بل يقف لهم بالمرصاد ليأخذهم في الحياة الآخرة أيضا وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، وحين يكون العزيز القوي المقتدر ذُو انْتِقَامٍ فيا للمأساة، ويا للنهاية المروعة.
والكتاب هدى وفرقان لسبب بسيط هو أن الله باعث الكتاب حي وقيوم، فهو حي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
[٥] إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وقيوم، يهيمن على نظام الحياة