من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٧ - القرآن في آيات الذكر الحكيم
لقد عجزت كل الأقاويل التي حاولت تفسير ظاهرة القرآن، لأنه وحي من الله فلا هو بقول شاعر يسبح في غمرات أحلامه، ولا هو بقول كاهن يتخرص فيقول كلاما مجملا لا يعني من ورائه شيئا. هكذا يقول القرآن فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [١].
وجاء القرآن ليتدبر فيه الناس، شريطة أن يفكوا عن قلوبهم أقفالها ليروا الحقيقة مباشرة أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا [٢]. ومن يتدبر في القرآن يعرف أنه من الله، لأنه لا اختلاف فيه أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً [٣]. والقرآن موعظة يهز أعماق الضمير، والقرآن شفاء يطهر الصدور من الحقد والحسد والعقد يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ [٤].
والقرآن كتاب الله الذي أعجز الخلق عن أن يأتوا بمثله قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً [٥].
وفي القرآن من كل مثل عبرة، ومن كل سبيل منار، ومن كل علم درس، ولكل خير قدوة، ولكل معروف وسيلة. يعطي لكل حادثة مثلا سابقا، ولكل ظاهرة قانونا عاما، ولكل مشكلة طارفة حلا واقعيا تليدا وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً [٦].
والقرآن آيات مبينات، القرآن مثل من واقع التأريخ الغابر للحاضر وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنْ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ [٧]. ولو أن القرآن أُنزل على الجبال لخشعت، لان القرآن يذكر الإنسان بالله الذي يخشاه كل شيء لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [٨].
[١] الحاقة: ٤٢ ٣٨.
[٢] محمد: ٢٤.
[٣] النساء: ٨٢.
[٤] يونس: ٥٧.
[٥] الاسراء: ٨٨.
[٦] الاسراء: ٨٩.
[٧] النور: ٣٤.
[٨] الحشر: ٢١.