من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٣٤ - شروط الانتصار على العدو
والحرية ومختلف المبادئ والقيم، وتحارب كل من تسوِّل له نفسه بالظلم والجور والاستعباد وتنقذ الناس منه. إن هذا فضل كبير على الناس، ولولا هذه الأمة إذن لأصبحت الحياة البشرية أسوأ من حياة الغاب يأكل فيها القوي الضعيف ويأكل الضعيف من هو اضعف منه، ويعيش الناس الخوف والفقر والحرمان.
وكلما كانت هذه الأمة أكثر نشاطا وإيمانا تكون مبادئ الله أفضل تطبيقا، أما إذا تراخت الأمة عن واجبها (كما نحن في عصرنا) فإن الفساد سيعم الأرض.
[٢٥٢] وكما الحياة والغنى والملك والنصر من الله كذلك الهدى منه فهو الذي يهدينا إلى منهاج الحياة وأساليب مكافحة الفقر والوصول إلى الملك والنصر وذلك عن طريق رسالاته التي يختار لها رجالا أمناء من عباده ويبعثهم أنبياء بها. تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنْ الْمُرْسَلِينَ.
[٢٥٣] تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ كما موسى عليه السلام، وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ كما إبراهيم اتُّخذ خليلا وجُعِل للناس إماما، وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أيده بالعصمة التي منعته من أي نوع من الفحشاء والمنكر ولقد أيد الله؛ سائر الأنبياء بها أيضا بيد أن عيسى كفر فيه بعض الناس وزعموا أنه هو القدوس بذاته ودون تأييد من الله فنفى ربنا ذلك.
إذن الرسالة من الله وهي تُعطى للأنبياء على شكل متفاوت حسب درجات الأنبياء ومصالح الله في العباد. وهنا يبرز سؤال: إذا كان الله يهدي الناس فلماذا اختلف أتباع الرسل من بعدهم؟ لماذا لم يهدهم الله جميعا هدى واحدا وتركهم يقتل بعضهم بعضا ..؟!
يجيب القرآن: إن الله لا يهدي الناس كرها وإنما يوفر لهم فرصة الهداية فمن اهتدى فلنفسه ومن ضل فعليها. هكذا أراد الله للدنيا أن تكون مختبرا لمعادن الناس وقاعة امتحان لمدى إيمانهم ولا يسأل الله عما أراد. وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ من بعد الأنبياء من أتباع حيث تقاتلوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَاتُ فلم يكن اختلافهم لنقص في هداية الله لهم بل لخلل في إيمانهم بها واستجابتهم لدعواتها. وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا وكان اختلافهم على الحق .. فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ فلم تكن أعمالهم صحيحة بمجرد أنهم (كانوا) من أتباع الرسل، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ وهنا أبرز القرآن- مرة أخرى- هيمنة الله على الحياة، وأن ما يجري فيها من خير وشر لا يدل على اعتزال الله سبحانه للسلطات ولا على أنه مغلوب على أمره، لا يسعه منع حدوث الشر!. كلا، ولا على أنه راض بما