من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٧ - التقوى الاجتماعية
التقوى والحقوق الاجتماعية
وتجربة التقوى في الحقوق الاجتماعية الأخرى تبرز بوضوح في حقوق اليتامى. إذ إنهم أضعف حلقة في المجتمع، إذ لا يقدرون على الدفاع عن أنفسهم تجاه نهم الطامعين في أموالهم، لذلك نجد القرآن يضرب من واقعهم مثالا لحرمة الحقوق في أكثر من مناسبة. وهنا يقول وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى هل يبقون وحدهم، أم يخالطونهم، وبالتالي هل تفرز أموالهم ويقوم الولي بإصلاحها واستثمارها، أم تبقى مع أموال الولي يصلحها معها؟.
قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وليس يضركم لو نقص شيء منكم أو منهم في الشراكة. لأن الحرام هو تعمد الاعتداء على أموال الآخرين، أما لو خلصت النية وكان المشرف عليها محسنا، في تصرفاته تجاه اليتيم، فإن الله لا يحاسبه على خطئه مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة ٩١]، وجاء في بعض النصوص: [لما أنزل الله وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ [الإسراء: ٣٤] الآية، و إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً [النساء: ١٠]، انطلق كل من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه واشتد ذلك عليهم فسألوا عنه فنزلت هذه الآية، لكي لا ينفصل الأيتام عن المجتمع] [١].
وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إذا اعتديتم على حقوق اليتامى. والتظاهر بالإصلاح بالتشدد في العزل ليس دليلا على الصلاح، فالاصلاح يعني إدارة أموالهم، وربما اقتضى اختلاط الأموال، والنوايا هي الفيصل، فإنه قادر على أن يسلب بعض نعمه عنكم حتى تعانوا مثلما جعلتم اليتامى يعانون من الحرمان. وربما تدل الآية على أن الله خفف عليكم الحكم بعد الشدة ولم يأمركم بإدارة اليتامى، مع فرز أموالهم عن أموالكم.
إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فهو قادر على استرداد الحقوق بعزته، ويفعل ذلك بحكمته.
التقوى وحقوق المرأة
[٢٢١] وكما التقوى في حق اليتامى، فكذلك في حقوق المرأة، الحلقة الضعيفة الثانية في المجتمع، التي يجب المحافظة على حقوقها بالكامل. والقرآن الحكيم ربط بين حقوق اليتامى والنساء في أكثر من مناسبة، وبهذه المناسبة يبين القرآن مجموعة التزامات تجب على المسلم في الجنس، ابتداء من اختيار الزوجة، ومرورا بالعملية الجنسية، والخلافات العائلية، والطلاق، والرضاع. وهي تنظم كذلك علاقات المجتمع الإسلامي، ولكن يبدو أن الهدف من ذكرها
[١] مجمع اليان: ج ٢، ص ٥٥٨.