من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠٦ - التقوى الاجتماعية
و ليس من الصحيح أن يفكر المرء بأنه يشرب قليلا من الخمر أو يلعب قليلا من القمار. فما يضر ذلك؟ كلا.
أولًا: لأن الخمر تسبب الإدمان وتسحبك إلى الازدياد منها وكذلك القمار.
ثانياً: لأن الإسلام حين يمنع الزنا يمنع التبرج، لأنه باب يؤدي إلى الزنا شئنا أم أبينا. وكذلك حين يمنع الخمر والميسر يمنع حتى الجلوس في محافلهما، حتى يسد كل الأبواب مرة واحدة.
* يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ متمثلة في ملء الفراغ، وقضاء الوقت، والانتعاش الموقت وبعض المرابح المادية.
وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا حيث إنهما يسببان توزع المجتمع وانقسامه وإلهائه عن واجباته الرسالية.
وهذه المقارنة بين المنفعة والإثم تلطفٌ في تحريمهما المتدرج، وتبيانٌ لحكمة التشريع، للتفكر والتبصر بما ينفع الإنسان، وهذه الموازنة أحد معاييرالتفاضل.
إن الهدف الأكبر من وراء حرمة الخمر والميسر هو المحافظة على وحدة الأمة ومنع الحساسيات عنها كما يظهر من آية أخرى في القرآن [١]. وبهذه المناسبة تحدث القرآن عن العفو باعتباره الوسيلة الثانية للهدف ذاته، فلو افترضنا أن الحساسية نمت بين أبناء المجتمع فعلينا تصفيتها بالعفو، وقد ورد في بعض الروايات أن المقصود بالعفو هنا التوسط في الإنفاق! [٢]
وربما كان الإنفاق باليسر هو أحد موارد رأب الصدع وتأليف القلوب واستئصال الضغائن وتشجيع التسامح وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ وحين تقع الحساسية بين أبناء المجتمع تلهيهم عن مشاكلهم الرئيسية وعن جدية مواجهتها، لذلك ذكرنا القرآن هنا بأهمية التفكر، ليس في أمور الآخرة فقط بل في شؤون الدنيا أيضا وقال كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ.
[٢٢٠] فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
[١] وهي قوله تعالى في سورة المائدة إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ.
[٢] روي في مستدرك الوسائل ج ١٣ ص ٥٣ عن الامام الرضا عليه السلام قال: [وليكن نفقتك على نفسك وعيالك قصداً فان الله يقول وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ والعفو الوسط، وقال الله تعالى: وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا].