من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩١ - الحج مدرسة التقوى
باندفاع السيل، آنئذ حيث تميل الشمس إلى المغرب، تستعد جموع الحجاج للتحرك إلى المشعر، ليرمزوا بذلك للسعي المشترك في سبيل الله، وعلى الدرب الذي حددته رسالة الله، دون أي تمييز بين الطبقات المختلفة.
وقد كانت الجاهلية تعطي لبعض القبائل شرف تقدم الناس في الإفاضة، فكانت تقف أمام الجماهير وتتحرك من نقطة أقرب إلى المشعر من سائر الناس، أو تفيض من المشعر ذاته. وجاءت الآية صريحة بإلغاء هذا الامتياز والبدء بالمسيرة مع الناس وقالت ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ من النقطة ذاتها التي يفيض منها الناس.
وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ليشعر كل إنسان بأنه مذنب أمام ربه، وأنه لا يجوز له أن يزكِّي نفسه ويجعلها أشرف من الآخرين، فكلنا عباد الله وقد يكون الوضيع منا شريفا عند الله بل وأشرف من الذي يزعم نفسه شريفا. إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ.
كيف نربح الدنيا والآخرة؟
[٢٠٠] بعد المشعر يفيض الحاج إلى منى حيث يؤدي مناسكه من: تقديم الهدي، ورمي الجمار، والتقصير، وآنئذ يجتمع الحجاج في منى ليبنوا حياتهم وفق تطلعاتهم، فينقسم الناس إلى نوعين: فمنهم من يذكر الله وينتمي إليه قبل أن ينتمي إلى أهداف أو أرض أو قوم، ويريد أن يبني حياته وفق نهج الله، ومنهم من يستعجل في الحصول على مكاسب الدنيا، دون أن يفكر في الآخرة فيخسرهما جميعا.
فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ في منى، رميا للجمرات، وهديا لله، وحلقا أو تقصيرا، وبالتالي بالتحلل من أكثر مظاهر الإحرام.
فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً حتى يصبح انتماؤكم الأول إلى الله، فيوحدكم الإيمان به، وتصبح أرض منى منطلقا للتعارف والتعاون والأمل، ولكن يبقى هذا الهدف مرتبطا بمنطلقات معينة.
فَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ لا يملك أي رصيد في الآخرة. لأنه يريد كل جهوده أن تثمر في الدنيا، هؤلاء ليس لهم في الآخرة نصيب في الدنيا.
[٢٠١- ٢٠٢] وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ