من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٩٠ - الحج مدرسة التقوى
ماذا بعد عمرة التمتع؟
[١٩٨] بعد فترة العمرة يتحلل الحاج من إحرامه، ويبتغي من فضل الله، ويتمتع بلذات الدنيا، ويفكر في التجارة، ويتزود بالعلم والأدب، وبعدئذ يحرم مرة أخرى للحج ويقف في عرفات، ويفيض منه إلى المشعر، ثم إلى منى، وبعدئذ يذهب للطواف ويقضي سائر مناسكه.
لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ في الفترة بين الحج والعمرة في حالة التمتع بأن يبتغي المرأ فضل ربه بالاتجار وغيره، فقد قيل: إن العرب كانوا يتأثمون في الاتجار، فهذه الآية ترفع الحرج في ابتغاء فضل الله.
فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ حيث يقف فيها كل الحجاج، ويبدو أن الإفاضة من عرفات من أبرز واجبات الحج، لأنها مسيرة إيمانية تذكرنا بطبيعة الدين، إنها حركة موجهة لهدف مقدس، وسنجد في الآية التالية تركيزا على الإفاضة.
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وهو موقف يقع داخل حدود حرم المسجد الحرام، وملتصق بمنى جغرافيًّا، ويبعد عن عرفات بضع كيلومترات.
وكان المشعر الحرام في الجاهلية موقعا للمباراة الفكرية بين القبائل التي كانت تهتم بعنصريتها وعصبيتها أكثر من اهتمامها بالشعائر الدينية، فكانت كل قبيلة تحيي ليلة المشعر بالإشادة بأمجادها الغابرة وتعرِّض بالقبائل الأخرى، فأمرهم الله بأن يتمحوروا حول الإيمان بالله، وينسوا خلافاتهم العصبية والعنصرية وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ إن مقارنة حالة التخلف القديم للأمة والفساد الجاهلي بحالة تقدمها الحالي في ظل الرسالة الجديدة، تكرِّس فيها إيمانها برسالتها، وتدفعها إلى المحافظة عليها بكل قوة.
والقرآن يأمرنا أن نتذكر رسالة الله التي اهتدينا بها لكي لا نتوانى عن تطبيق قيمها، ولكي نتصور واقعيًّا نعمة الوحدة والأمن والطمأنينة والنشاط، وبالتالي سائر النعم التي جاءت نتيجة هذه الرسالة، والتي لا يمكن أن تستمر لو أنَّا لم نتمسك بها تمسكا شديدا، بل هي بحاجة إلى المحافظة عليها، والتذكرة بأنها ستزول لو لم نسع من أجل المحافظة عليها.
الإفاضة مسيرة الإيمان
[١٩٩] بعد عرفات تبدأ المسيرة الإيمانية التي تسميها الآية ب- (الإفاضة) تشبيها لها