من هدى القرآن - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٨ - كيف يقسم القرآن البشر؟
باء لا رَيْبَ فِيهِ، ولا يرقى إليه شك. حقيقي لأنه غير متناقض في ذاته ولا مع الإنسان ولا بالنسبة إلى هدى العقل.
جيم هُدًى لِلْمُتَّقِينَ يهدي من يحب الهداية ويعمل من أجلها، فالتقوى حذر بالقلب وعمل في الواقع، ومن دون الحذر (العامل النفسي الذي يبعث نحو إرادة الهداية) ومن دون العمل من أجل الهداية، لن تكون هداية. فجملة القول أن الهدى هو هدي الكتاب، وإنما ينتفع به المتقون ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ ثم يتحدث القرآن عن ثلاثة مواقف للناس اتجاه الكتاب الجديد: (التقوى، الكفر، النفاق).
[٣] من هم المتقون؟ وما هي صفاتهم البارزة؟.
أهم تلك الصفات هي الإيمان بالغيب، والذي يعني تجاوز الحقائق التي يشهدها الإنسان مباشرة للوصول إلى تلك التي لا يشهدها مباشرة. هذه المقدرة التي تجعلنا- نحن البشر- نحصل على ميزة العلم بالمستقبل (الغيب) عن طريق معرفة الحاضر (الشهود) والعلم بالماضي (الغيب) عن طريق مشاهدة آثاره على الحقائق الحاضرة (الشهود). هذه الصفة تتعمق في المتقين إلى درجة الإيمان فهم يؤمنون بالمستقبل ولا يقفون عند معرفته فقط، ويؤمنون بالماضي ولا يتوقفون عند العلم به فحسب، وفرق كبير بين الإيمان والعلم. الإيمان هو التسليم النفسي والعقلي للعلم، وتطبيقه على الحياة فعلا. وأعظم الغيب وأظهره هو الإيمان بالله الذي انتشرت آياته الظاهرة على كل أفق وفي كل شيء، والإيمان به أصل الإيمان.
والإيمان بالغيب يتعمق بالصلاة التي تفتح خطّاً روحيًّا مباشرا بين الإنسان وبين الله، وتصبح جسرا بين الحضور وبين الغيب. وتتجسد هذه الصلة في العطاء الشامل. فلا إيمان ولا صلة من دون تصديق ذلك بالعطاء والإنفاق. ولكن من أي شيء يتم العطاء. هل من أنفسنا نعطي شيئا لله؟ كلا إنما نقتطع جزءاً صغيرا مما أنعم الله علينا فننفق منه. ولكل شيء عطاء مناسب له فالمال بصرفه، والجاه ببذله، والعلم بنشره وهكذا. من هنا كانت صفة المتقين أنهم الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ.
[٤] والإيمان الذي يتحلى به المتقون هو إيمان كامل لا يقتصر على بعض الحقائق فقط، وينحسر عما يخالف الأهواء، إنما هؤلاء يؤمنون بما انزل إلى الرسول من كتاب وبما انزل على الرسل من قبل رسول الله محمد صلى الله عليه واله لا يفرقون بينهم. وإيمانهم بالآخرة إيمان راسخ يصل إلى مستوى اليقين، فإذا بهم مطهرون من أي شك في يوم الجزاء. بذلك تتكامل عقائد المتقين، الإيمان بالله (الغيب) وما يدعم هذا الإيمان من الصلاة والزكاة ثم الإيمان بالرسالات ثم الإيمان