تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٦١ - فصل كيف يمكن رفع الجبل؟
و ثانيهما انّ للأجرام و الأعظام نحوين من الوجود: أحدهما وجود مادي متعلّق بمادّة و استعداد خاصّ. و الآخر وجود صوريّ متعلّق بالفاعل غير متعلّق بمادّة قابلة للحركة و الفساد.
و الذي يراه الإنسان في هذا العالم و يشاهد بحسّه الظاهر على وجهين:
أحدهما الشائع المتعارف الأكثري، و هو أن يأخذ الحسّ البصري صورة ما يراه و ينتزعها من مادّته. و الآخر أن ينحدر إلى حسّه من جهة الباطن- و هذا على سبيل الندرة- و من هذا القبيل رؤية النبي صلّى اللّه عليه و آله و أصحابه تمثّل جبرئيل عليه السّلام لهم بصورة دحية الكلبي، و هذا باب من المعجزة. و قد يقع لبعض الكهنة و غيرهم من هذا القبيل رؤية بعض الأجسام بأسباب باطنيّة. و لهذا قد يصعب الفرق بين المعجزة و الكهانة على النفوس العاميّة.
و من وقف على حكاية الجوهري رأى عجبا من هذا الباب، حيث خرج بالعجين من بيته إلى الخبّاز ليطبخ له الخبز في الفرن، و كانت عليه جنابة، فجاء إلى شطّ النيل ليغتسل، فرأى- و هو في الماء- مثل ما يراه النائم، كأنّه تزوّج في بغداد، و أقام مع المرأة ستّ سنين، و أولدها أولادا. ثمّ ردّ إلى حاله- و هو في الماء- ففرغ من غسله، و خرج و لبس ثيابه و جاء إلى الفرن و أخذ الخبز و جاء إلى بيته و أخبر أهله بما أبصره.
فلمّا كان بعد أشهر جاءت تلك المرأة التي رأى انّه تزوّجها في تلك الحالة تسأل عن داره، فلما اجتمعت به عرفها و عرف الأولاد و ما أنكرهم. و قيل لها: متى تزوّج؟ فقالت: «منذ ستّ سنين، و هؤلاء أولاده مني». فخرج في الحسّ ما رآه في الباطن أوّلا [١].
[١] هذه الحكاية التي ذكرها المصنف- ره- في مفاتيح الغيب أيضا (المشهد العشرون من المفتاح العشرون) أخذها من الفتوحات المكية (الباب الثالث و السبعون، السؤال الثاني