تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٢ - فصل في أقوال علماء الإسلام القائلين بأن الملك أفضل من البشر
في حقّ البشر أكثر فكان تقوى المتّقين منهم أكثر.
فإن قيل: لا نسلّم عدم الداعية فيهم أصلا، لكن لا شهوة لهم إلى الأكل و الشرب و المباشرة، و لهم شهوة التقدّم و الرياسة.
قلنا: هذا لا يضرّنا- لأنّ هذه الشهوة مشتركة بين الفريقين، و قد حصلت للبشر أنواع أخر من الشهوات الصارفة عن الطاعات، كشهوة البطن و الفرج و غيرهما فيكون فضيلة التقوى في البشر أشدّ و أقوى.
السابع: قوله تعالى: لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْداً لِلَّهِ وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ [٤/ ١٧٢] وجه الاستدلال به إنّ قوله: وَ لَا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ خرج مخرج التأكيد للأوّل، و مثل هذا التأكيد إنّما يكون بذكر الأفضل، كما في قولك:
«هذه الخشبة لا يقدر على حملها العشرة، و لا المائة» و كذا في كثير من الأمثلة.
و لقائل أن يقول: هذه الآية إن دلّت فإنّما تدلّ على فضل الملائكة المقرّبين على المسيح عليه السّلام، لا على من هو أفضل منه- و هو نبيّنا صلّى اللّه عليه و آله و موسى و إبراهيم عليهما السلام- و بالجملة، فلو ثبت إن المسيح أفضل من كلّ الأنبياء عليهم السلام كان مقصودهم حاصلا، و إلّا فلم يحصل.
ثم نقول: قوله: وَ لَا الْمَلائِكَةُ ليس فيه إلّا واو العطف التي لمطلق الجمعيّة، و الأمثلة الجزئيّة غير مفيدة في الدعوى الكليّة، على أنّها معارضة بأمثلة أخرى، كقولك: «ما أعانني على هذا الأمر زيد و لا عمرو» فهذا لا يفيد أفضليّة عمرو من زيد.
سلّمنا إنّه يفيد التفاوت- أمّا إنّه من جميع الوجوه، أو من جهة كثرة الثواب فغير مسلّم. و السند إنّ النصارى لمّا شاهدوا من المسيح إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص أخرجوه من العبوديّة إلى المعبوديّه بسبب هذا القدر من القدرة، فقال تعالى: إنّ عيسى لا يستنكف بسبب هذه القدر [من القدرة] [١] عن عبوديتي،
[١] الاضافة من تفسير الفخر الرازي.