تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٦٤ - فصل في تحقيق الحق في كيفية المفاضلة بين الملك و البشر
أنّهم كلّهم مخلوقون من النار، و النار أقوى العناصر و أبعدها عن قبول التأثير.
و أما الجمادات التي ليست واقعة في حدود المادّة الإنسانية، فهي إمّا قويّة الجماديّة كالأحجار و اليواقيت فلصلابتها لا تنقلب إلى غيرها .. و إمّا أن تكون ملائم الجوهر لصورة اخرى، لكنها مما قبلت صورة صلبة فوقفت عندها، فهي صعب الانقلاب إلى غيرها و كذا الحكم في سائر النباتات و الحيوانات.
و أمّا الإنسان الذي خلق لبلوغ النهاية فهي أبدا في الحركة و الرجوع و الإنابة و السلوك، لكونه ما بين صرافة القوّة و محوضة الفعلية.
و العجب أنّ الذين فضّلوا الملائكة على الإنسان- كالصابئة و غيرهم- جعلوا اشتمال الإنسان على القوّة و النقصان منشأ انحطاط درجته عن درجة الملائكة، و هذه الصفة بعينها تصير منشأ لأن يتفضل عليهم و يتجاوز عن مراتبهم.
الأصل السابع: إنّ كلّ ما يتعلق بالبدن- سواء كانت صورة أو نفسا حيوانيّة أو إنسانيّة او فلكية- فهي مصحوبة بالقوّة و الاستعداد، محتاجة إلى جوهر عاقل يكمّلها و يخرجها من القوّة إلى الفعل، و كمالها عبارة عن صيرورتها عقلا و عاقلا بالفعل، و معقولا بالفعل، و كلّ ما صارت عقلا بالفعل فيصير كلّ الموجودات.
لأنّ كلّ موجود من شأنه أن يعقل فهي إما بتغيّر من جانب المعقول كالصور المادية المعقولة بالقوّة، المحتاجة في أن يصير معقولة بالفعل إلى مغيّر يغيّرها و مجرّد يجرّدها و ينتزعها من المادّة. و إمّا بتغيّر من جانب العاقل إذا صار عاقلا بالقوّة، فيحتاج إلى حركات فكريّة يسافر من بعض الصور الخياليّة إلى بعض، حتى ينتهي إلى العقولات الصريحة، كالعقول القادسة و ما فوقها.
فكلّ ما هو كامل بالفعل فلزمه أن لا يخلو عنه شيء من المعقولات، بل يجب أن يكون عقلا بسيطا هو صورة الكل في وحدة. و مثل هذا الموجود يجب أن