تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٠٨ - فصل أسباب الخوف و الرجاء
لنفسه يرحم بها عباده يوم القيامة».
و إذ قد أعطاك من الرحمة الواحدة كلّ هذه العطايا الكريمة العزيزة من معرفته و الكون من هذه الامّة المرحومة. ثمّ غير ذلك من النعم الباطنة و الظاهرة فمرجوّ من فضله العميم أن يتمّ ذلك الأمر، فانّ من بدء بالإحسان و الإكرام فعليه الإتمام، و يجعل لك من تسعة و تسعين رحمة الحظّ الوافر- نسئل أن لا يخيّب آمالنا بفضله و كرمه.
و أما من جانب الخوف فأوّلا إنّ إبليس عبده ثمانين ألف سنة فلم يترك- فيما قيل- موضع قدم إلّا و سجد اللّه تعالى فيه سجدة، ثمّ ترك له أمرا واحدا، فطرده من بابه و ضرب بوجهه عبادة ثمانين ألف سنة، و لعنه إلى يوم الدين، و أعدّ له عذابا أليما أبد الآبدين، حتّى
روي أنّ الصادق الأمين صلوات اللّه عليه و آله، رأى جبرئيل متعلّقا بأستار الكعبة و هو يتضرع: «إلهي لا تغيّر اسمي، و لا تبدّل جسمي».
ثمّ آدم صفيّ اللّه، خلقه بيده و أسجد له ملائكته و حمله على أعناقهم إلى جواره فأكل أكلة واحدة لم يؤذن فيها، فنودي «ألا لا يجاورني من عصاني» فأمر الملائكة الذين حملوا سريره يرمونه من سماء إلى سماء، حتّى أوقعوه بالأرض، و لم يقبل توبته- فيما روي- حتّى بكى على ذلك مائة سنة، و لحقه من الهوان و البلاء ما لحقه و بقيت ذريّته في تبعات ذلك أبد الآبدين.
ثمّ أن نوحا- شيخ المرسلين صلوات اللّه عليهم أجمعين- احتمل في أمر دينه ما احتمل، لم يقل الّا كلمة واحدة على غير وجهها، إذ نودي: فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ [١١/ ٤٦] حتى روي في بعض الأخبار إنّه لم يرفع رأسه إلى السماء حياء من اللّه سبحانه و تعالى أربعين سنة.
ثمّ [أنّ] ابراهيم الخليل- صلوات اللّه عليه- لم يكن منه إلّا هفوة واحدة، فكم خاف و تضرّع و قال: وَ الَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ