تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٩٥ - فصل قوله تعالى و أوفوا بعهدي
فلا يصرف إلى من بعد موسى من أنبياء بني إسرائيل عليهم السلام، و لا إلى عيسى، لأنّهم لم يكونوا من بني إخوتهم، و لا مثل موسى في كونه صاحب شريعة مستأنفة فيها بيان مصالح الدارين. فتعيّن محمد صلّى اللّه عليه و آله.
و منها ما جاء في الفصل العشرين من هذا السفر: «إنّ الربّ تعالى جاء في طور سيناء و طلع (أشرق- ن) لنا من ساعير، و ظهر من جبال فاران، وصفّ عن يمينه عنوان القديسين، فمنحهم العزّ و حبّبهم إلى الشعوب، و دعا لجميع قديسيه بالبركة».
يريد الإخبار عن إنزال التوراة على موسى عليه السّلام بطور سيناء و إنزال الإنجيل على عيسى عليه السّلام بساعير، فإنّه كان يسكن من سيعير بقرية تسمّى «ناصرة»، و إنزال القرآن على محمد صلّى اللّه عليه و آله بمكّة، فإنّ «فاران» في طريق مكّة قبل العدن بميلين و نصف و هو كان المنزل و قد بقي اليوم على يسار الطريق من العراق إلى مكّة.
قال اليهود: إنّ النار لمّا ظهرت من طور سيناء ظهرت من ساعير نار أيضا، و كذا من جبل فاران أيضا، فانتشرت ٧٠ في هذه المواضع.
و ما ذكروه باطل، لأنّ اللّه لو خلق نارا في موضع فإنّه لا يقال: «جاء اللّه من ذلك الموضع» إلّا إذا تبع تلك الواقعة وحي نزل في ذلك الموضع، أو ما شابه ذلك، و عندكم إنّه لم يتبع ظهور النار وحي و لا كلام إلّا من طور سيناء فما كان ينبغي إلا أن يقال: «جاء اللّه من طور سيناء فقط» فأمّا أن يقال: «ظهر من ساعير و من جبل فاران» فلا يجوز وروده، كما لا يقال: «جاء اللّه من الغمام» إذا ظهر في الغمام احتراق و نيران- كما يتّفق في الربيع.
و تصديق ذلك ما في كتاب حبقوق، و هو: جاء اللّه من طور سيناء، و القدس من جبال فاران، لقد انكشف السماء ٧١ من بهاء محمّد صلّى اللّه عليه و آله، و امتلأت الأرض من حمده، يكون شعاع منظره مثل النور يحفظ بلده بعزّة، تسير المنايا أمامه، و يصحب