تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٨ - فصل مشرقي
الأوضاع و الأمكنة، فيؤثّر فيهم هذه الأسباب المعدّة، و لهم أيضا جهة القبول و الانفعال من جهة المادّة المنفعلة التي يؤثّر فيها كلّ شيء.
و أمّا الآخرة ففيها هذه الأسباب و الأنساب منقطعة، و الذي يكون هناك معه المهمّات و يطلب منه الاقتراحات- أعني الباري جلّ ذكره- لا يؤثّر فيه شيء و لا ينفعل عن شيء، لأنّه القاهر على كلّ شيء. فالمؤثّر هناك في شيء منحصر في سبب صوريّ للشيء أو فاعليّ له أو غائيّ له.
فالصورة كالايمان و الكفر و الخلق الحسن و الخلق الردي. و أمّا الفاعل فهو اللّه بلا واسطة أو بواسطة بعض عباده المقرّبين، الذين هم بأمره يفعلون، لأنّهم من عالم الأمر و يفعلون ما يؤمرون. و أمّا الغاية فهو اللّه بالحقيقة أو ما ينعكس من نور جماله لمن يعجز عن إدراكه، و العلّة الصورية معلولة للفاعل و الغاية، لأنّها العلّة المباشرة، و هما علّتان مفارقتان.
فجميع اللذات الروحانيّة- كلقاء اللّه و مجاورة مقرّبيه- و الجسمانيّة- كالجنّة و الحور و القصور و الأنهار و الأشجار و غيرها- متسبّبة عن اللّه تعالى بواسطة صورة الايمان و الإحسان. و جميع الآلام الروحانيّة و الجسمانيّة- كالاحتجاب عن الربّ تعالى و ملكوته، و التعذّب بالجحيم و الزقّوم و العقارب و الحيّات و غيرها- متسبّبة عنها بواسطة صورة الكفر و الإساءة.
فلا سبب و لا نسب هناك إلّا ما ذكرناه، و لا وسيلة هناك لأحد عنده و لا شفيع و لا ظهير و لا معاون و لا نصير، لعدم انفعاله و تأثّره عن الغير. و لا مكافي له و لا ممانع و لا مدافع و لا منتقم منه، إذ لا مساوي له في القوّة، إذ لا واجب الوجود غيره، و الوجود يفيض منه و يترشّح على غيره فكيف يساويه في القوّة او يزيد عليه حتّى يدافعه او ينتقم منه، بل هو الغالب على أمره، و القاهر فوق عباده.
و بالجملة- لا وسيلة لأحد من أحد في أمر و لا رابطة بين أحد و أحد إلّا بالروابط