تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٥ - فصل في أقوال علماء الإسلام القائلين بأن الملك أفضل من البشر
أما الملائكة فلم يستغفروا إلّا لغيرهم من المؤمنين، كما حكى اللّه عنهم بقوله فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تابُوا وَ اتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَ قِهِمْ عَذابَ الْجَحِيمِ [٤٠/ ٧] و قال:
وَ يَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا [٤٠/ ٧] و لو كانوا محتاجين إلى الاستغفار لبدؤوا أولا لأنفسهم ثم لغيرهم، لأنّ دفع الضرر عن النفس مقدّم على دفعه عن الغير،
لقوله صلّى اللّه عليه و آله [١] «إبدأ بنفسك»
فهذا يدل على أنّهم أفضل من البشر.
و الجواب- بعد تسليم دلالة عدم الاستغفار على عدم الزلّة- لا نسلّم إن التفاوت في ذلك مناط الأفضلية كما تقدّم، و منهم من قال إنّ استغفارهم للبشر كالعذر لما طعنوا فيهم.
الثالث عشر: قوله [تعالى]: وَ إِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ* كِراماً كاتِبِينَ [٨٢/ ١٠- ١١] و هذا عام للجميع، فيدخل فيهم الأنبياء عليهم السلام و غيرهم. وجّه دلالته على أفضليّتهم بوجهين:
أحدهما: إنّ الحافظ للشيء يجب أن يكون أبعد من الخطأ و الزلّة و المعصية من المحفوظ، فيكون أفضل.
و ثانيهما: إنّه تعالى جعل كتابتهم حجّة للبشر و عليهم في الطاعات و المعاصي، فقولهم أقوى بالقبول من قول البشر، فهذا يدلّ على أنّهم أعظم قدرا.
و قد أجيب بمنع كلا الوجهين، مسندا بأنّ الملك قد يوكّل بعض عبيده على حفظ ولده، فلا يلزم أن يكون الحافظ أشرف من المحفوظ، و بأنّ الشاهد قد يكون أدون حالا من المشهود له و عليه.
أقول: و كلا المنعين مكابرة في الأفاعيل الذاتيّة الطبيعيّة. قياسا على الأفاعيل الصناعيّة الكسبيّة.
الرابع عشر: قوله [تعالى]: يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَ الْمَلائِكَةُ صَفًّا لا يَتَكَلَّمُونَ
[١] الجامع الصغير: ١/ ٥.