تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٦ - فصل
فصل
اعلم أنّ الآية تدلّ على امور:
الأوّل: التنبيه على جليل عناية اللّه و عظيم رحمته في حقّ آدم و ذريته. إذ كأنّه يقول: «إنّي و إن أهبطتكم إلى الأرض، و أوقعتكم إلى الدنيا من المنازل العالية فقد عظمت عليكم الرحمة، و أنعمت عليكم بما يؤدّيكم مرة اخرى إلى الجنّة على وجه أتمّ و أدوم زمانا و أكثر عددا، لأنّ آدم و حوّاء لو لم يهبطا إلى الأرض، و بقيا في الجنّة ابتداء من غير ابتلاء، لكان كثير غير محصور من الكمالات و الخيرات فيهما في حدّ القوّة، من غير أن يخرج إلى الفعل- مع إمكان الخروج- و لم يدخل معها في الجنّة أعداد من غير أن يخرج إلى الفعل- مع إمكان الخروج- و لم يدخل معها في الجنّة أعداد نفوس غير محصورة من أولادهما، فعلم أن خروجهما من الجنّة متضمّن لخيرات كثيرة و نعم جليلة لهما و لذرياتهما.
الثاني: إنّه تعالى بيّن أنّ من اتّبع هداه بحقّه علما و عملا- بالإقدام على ما يلزم، و الإحجام عمّا يحرم- فإنّه يبلغ إلى منزلة لا يعتريه فيها خوف عن المآل، و لا حزن في الحال. و هذا متضمّن لجميع ما أعدّ اللّه لأوليائه، لأنّ زوال الخوف يتضمّن السلامة من جميع الآفات، و زوال الحزن يقتضي الوصول إلى كلّ اللذات و المرادات.
لا يقال: هذا يستلزم أن يتساوي جميع أهل الهداية في السعادات و لا يتفاوت فيها بين الأنبياء و الأمم.
لأنّا نقول: كلّ واحد من أهل السعادة ينال جميع ما يستلذّه، و يسلم من جميع ما يستكرهه، و هم مع ذلك متفاوتون في السعادات، لتفاوتهم في الشهوات و تفاوت ادراكاتهم للخيرات، و كلّ ينال بقدر قوّة وجوده و علمه سعادة يليق بحاله و كماله. [١] الثالث: الآية تدلّ على أنّ المؤمن المتبّع للهدى، المعرض عن آفة الهوى
[١] راجع تفسير الفخر الرازي: ١/ ٤٧٧.