تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤٣ - فصل في أقوال علماء الإسلام القائلين بأن الملك أفضل من البشر
بل و لا الذين هم فوقه في القوّة و القدرة و البطش و الاستيلاء على عالم السموات و الأرضين، فعلى هذا الوجه دلّت الآية على أنّهم أفضل من البشر في القوّة و الشدّة،- لا في كثرة الثواب كما هو المقصود.
و هاهنا وجهان آخران في الجواب:
أحدهما: إن الآية دلّت على أنّ مجموع الملائكة أفضل من المسيح عليه السّلام- لا كلّ واحد.
و ثانيهما: لعلّ خطاب اللّه كان مع أقوام اعتقدوا فضل الملك على البشر، فأورد الكلام على حسب معتقدهم، كما في قوله [تعالى:] وَ هُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ [٣٠/ ٢٧] الثامن: قوله تعالى حكاية عن إبليس: ما نَهاكُما رَبُّكُما عَنْ هذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونا مَلَكَيْنِ [٧/ ٢٠] و هذا و إن كان قول إبليس- و هو ليس بحجّة- إلّا إن آدم و حوّاء عليهما السلام لو لم يكونا معتقدين «إن الملك أفضل من البشر» لم يكن إبليس يغترّهما بذلك، و لا كانا اغترّا بذلك.
و الجواب: أوّلا إنّ آدم عليه السّلام لم يكن نبيّا حينئذ، فلم يثبت فضل الملائكة على الأنبياء من كونهم أنبياء.
و ثانيا إن ما ذكر لا يدلّ على كون الملك أفضل عاقبة و أعظم مثوبة عند اللّه، بل أنّ لهم ضروبا من الفضيلة غير ذلك، و لا شبهة لاحد في أنّ لهم جهات فضل بالفعل على نوع البشر كالقوّة، و القدرة، و الحسن، و الجمال، و الصفاء، و النقاء من الكدورات المزاجيّة و الأمراض و العاهات و غيرها، فلأجلها رغب آدم عليه السّلام في أن يكون مثلهم في العاجل و إن كان أفضل منهم في الآجل.
التاسع: قوله تعالى: قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَ لا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَ لا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ [٦/ ٥٠] لم يرد به نفي الصورة، إذ لا يفيد الغرض، و إنّما نفى أن يكون له مثل مالهم من الصفات الكمالية.