تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٥٦ - فصل
و هو مع ذلك العلوّ و الرفعة و الوراثيّة رجّاع إلى عبده توّاب رحيم عليه، قريب إليه يسمع ندائه، و يجيب دعائه، و يقضي حاجاته، و يقول: إِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ [٢/ ١٨٦] و ينزل كل ليلة في الثلث الأخير منه ٥١ إلى سماء الدنيا، فيقول: «هل من داع؟ هل من مستغفر؟».
و
يروي [١] إن في بني إسرائيل شابّ عبد اللّه عشرين سنة، ثمّ عصاه عشرين سنة، ثمّ نظر في المرآة فرأى الشيب في لحيته، فساءه ذلك. فقال: «الهي- أطعتك عشرين سنة، ثمّ عصيتك عشرين سنة، فإن رجعت إليك أ تقبلني؟» فسمع قائلا يقول- و هو لا يرى شخصا-: «أحببتنا فأحببناك. و تركتنا فتركناك. و عصيتنا فأمهلناك و إن رجعت إلينا قبلناك».
و قال ذو النون المصري [٢]: «إنّ للّه عبادا نصبوا أشجار الخطايا نصب روامق قلوبهم، و سقوها بماء التوبة فأثمرت ندما و حزنا، فجنوا من غير جنون ٥٢، و تبلّدوا من غير عمى و لا بكم- و إنّهم لهم البلغاء الفصحاء، العارفون باللّه و رسوله- ثمّ شربوا بكأس الصفا فورثوا الصبر على البلاء، ثمّ تولّت قلوبهم في الملكوت و جالت فكرهم بين سرايا حجب الجبروت، و استظلّوا تحت رواق الندم و قرؤوا صحيفة الخطايا فأورثوا أنفسهم الجزع، حتى وصلوا إلى علوّ الزهد بسلّم الورع فاستعذبوا مرارة الترك للدنيا، و استلانوا خشونة المضجع، حتى ظفروا بحبل النجاة و عروة السلامة، و سرحت أرواحهم في العلا، حتّى أناخوا في رياض النعيم، و خاضوا في بحر الحيوة، و عبروا جسور الهوى، و ردموا خنادق الجزع، حتى نزلوا بفناء العلم، و استقوا من غدير الحكمة، و ركبوا سفينة الفطنة، و أقلعوا بريح النجاة في بحر السلامة، حتّى وصلوا إلى رياض الراحة و معدن العزّ و الكرامة».
و قال بعض الفضلاء في وصف السالكين إلى اللّه الراجعين إلى حضرة الجبروت
(١، ٢) إحياء علوم الدين: ٤/ ١٥.