تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٣٩ - فصل
للماضي، ثلاثة معان مترتبّة في الحصول، يطلق اسم التوبة على مجموعها، و كثيرا ما يطلق على معنى الندم وحده، و يجعل العلم كالسابق و المقدّمة، و الترك كالثمرة و التابع ... فيكون الندم محفوفا بطرفيه، مثمرة بثمرته. فهذا معنى التوبة.
و أمّا اثبات وجوبها على الفور: فاعلم إن وجوب التوبة كما إنّه ظاهر بالآيات و الأخبار، فهو واضح بنور البصيرة عند من انفتحت بصيرته، و شرح صدره بنور الايمان، حتى اقتدر أن يسعى بنوره الذي بين يديه في ظلمات الجهل، مستغنيا عن قائد يقوده في كل خطوة. فالسالك إمّا أعمى لا يستغني عن القائد في خطوة، و إمّا بصير يهدي إلى أوّل الطريق، ثمّ يهتدي بنفسه، و كذلك الناس في طريق الدين ينقسمون هذا الانقسام.
فمن قاصر لا يقدر على مجاوزة التقليد في خطوة، فيفتقر إلى أن يسمع في كلّ قدم نصّا من كتاب اللّه، أو سنّة نبيّه، و ربما يعوزه ذلك فيتحيّر، فسير هذا- و إن طال عمره و عظم جدّه- مختصر، و خطاه قاصرة.
و من سعيد شرح اللّه صدره للإسلام فهو على نور من ربّه، يتنبّه بأدنى إشارة لسلوك طريق معوصة، و عقبات متعبة، فيشرق في قلبه نور القرآن و نور الايمان، و هو لشدّة نور باطنة يجتزئ بأدنى بيان، و كأنّه يكاد زيته يضيء و لو لم تمسسه نار فإذا مسّته نار فهو نُورٌ عَلى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشاءُ فهذا لا يحتاج إلى نصّ منقول في كلّ واقعة.
فمن هذا حاله إذا أراد أن يعرف وجوب التوبة فينظر أوّلا بنور البصيرة إلى التوبة ما هي؟ ثمّ إلى الوجوب ما معناه؟ ثمّ يجمع بينهما، فلا يشكّ في ثبوته لها.
و ذلك بأن يعلم أنّ معنى الواجب ما هو واجب في طريق الوصول إلى سعادة الأبد و النجاة من هلاك السرمد ... و معنى قول القائل ٤١ «صار واجبا بالإيجاب حديث محض» فإنّ ما لا غرض لنا عاجلا و آجلا في فعله و تركه فلا معنى لاشتغالنا به، أوجبه