تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٢٩٥ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٤٦
و ملاك الأمر كلّه معرفة اللّه، و معرفة النفس، و حشرها إليه تعالى، و التصديق بلقاء اللّه، و لذلك وصف الخاشعين بقوله عزّ اسمه:
قوله جل اسمه: [سورة البقرة (٢): آية ٤٦]
الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُوا رَبِّهِمْ وَ أَنَّهُمْ إِلَيْهِ راجِعُونَ (٤٦)
أي يتوقّعون لقاء اللّه و نيل ما عنده، و يتيقّنون إنّهم يحشرون إلى اللّه. فالظنّ هاهنا بمعنى العلم، كما في قوله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسابِيَهْ [٦٩/ ٢٠] و يؤيّده إنّ في مصحف ابن مسعود «يعلمون» و إنّ الظنّ هو الإعتقاد الراجح الذي يقارنه تجويز النقيض، و ذلك يقتضي انّ صاحبه غير جازم بيوم القيامة، و ذلك كفر فكيف يمدح اللّه لهم عليه.
و علاقة التجوّز إنّه شابه العلم في الرجحان، و لتضمين معنى التوقّع.
و من حمل اللفظ على ظاهره و جعل ملاقاة الرب مجازا عن الموت، فإمّا أن يقول: المراد «الذين يظنّون الموت في كلّ لحظة فإنّهم لا يفارق قلوبهم الخشوع فهم يتبادرون إلى التوبة، لأنّ خوف الموت من دواعي التوبة». و إمّا أن يفسّر «ملاقات الرب» بملاقاة ثوابه، و ذلك مظنون غير معلوم، أو يقول: إنّ المعنى:
«يظنّون إنّهم ملاقوا بذنوبهم» فإنّ الإنسان الخاشع لا وقع لطاعاته عنده، فيغلب على ظنّه إنّه إنّهم يلقى اللّه بذنوبه، فعند ذلك يتسارع إلى التوبة و الانابة و الصبر و الصلوة.
و هاهنا وجه آخر، و هو إنّ العلم بكيفية المعاد و بأنّ أفراد الإنسان و غيرهم ملاقون ربّهم يرجعون إليه بالحقيقة علم شريف غامض لا يحصل لأحد على وجه اليقين إلا للكمّل من العرفاء، و ليس لعامّة أهل الايمان إلّا مرتبة الظنّ به على