تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ١٦٣ - إشارة قرآنية كراهية الإنسان للهبوط ثم للعروج
التقدّسات الروحيّة النوريّة، و تعلّقت بالأدناس و الألواث البدنيّة و القاذورات الطبيعيّة و هبطت في مقر السعيد الظلماني و مهوى الحضيض الجسماني و الجحيم النفساني، مقيّدة بالسلاسل و الأغلال في سجون التعلّقات، أسيرة بأيدي الشياطين و الأغوال لشجون الأوهام و الخيالات، محترقة بنيران الشهوات، ملسوعة بسموم العقارب و الحيّات.
فلمّا قيّدت كالحمامة بشبكة البدن و حبوب القوى، أنست بها بعد ما كرهتها و ألفت بها بعد ما أنفت، و نسيت عالمها بعد ما ذكرت، كما قال تعالى: فَنَسِيَ وَ لَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً [٢٠/ ١١٥] و قوله: نَسُوا الذِّكْرَ [٢٥/ ١٨] و قوله: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [٩/ ٦٧] و رضيت بهذه الحيوة الدنيا و اطمئنّت بها و يئست من الآخرة، و أخلدت إلى الأرض و اتّبعت هواها، كما قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَ رَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَ اطْمَأَنُّوا بِها وَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ [١٠/ ٧] و قال:
يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَما يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحابِ الْقُبُورِ [٦٠/ ١٣].
فلما جهلت أبناء الدنيا عن أحوال الآخرة و مقاماتها اشتغلوا عند ذلك بطلب الدنيا و نعيمها و لذّاتها و شهواتها و تمنّوا الخلود فيها لأنّها محسوسة لهم يشاهدونها بحواسّهم- و تلك الدار و نعيمها و لذّاتها و شهواتها و تمنّوا الخلود فيها لأنّها محسوسة لهم يشاهدونها بحواسّهم- و تلك الدار و نعيمها و لذّاتها و مشتهياتها غائبة عنهم و عن إدراك حواسّهم- فتركوا البحث عنها و الرغبة فيها و الطلب لها و السعي إلى ذكر اللّه و ذكر الآخرة، فلا جرم احتاجت عند ذلك نفوسهم الى من يذكّرها العهد القديم و تجدّد عليها الذكر الحكيم، و تشوقها إلى ما عند اللّه و يسوقها من دار الدنيا إلى الدار الآخرة.
فالرحمة الإلهيّة أجادت بإرسال الرسل إليها و إنزال الكتب عليها، فمنهم من آمن لبقاء نور الفطرة في قلبه، و منهم من صدر عنه لانطماس نور فطرته و مسخه و تراكم الظلمة على قلبه و اسوداده بالمعاصي، و لذلك قال: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً- الآيتين.