تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٣١٢ - قوله جل اسمه سورة البقرة(٢) آية ٤٧
من الناس» و المراد منه الكثرة- لا الكلّ.
و اعترض عليه في التفسير الكبير [١] بأنّ هذا ضعيف، لأنّ لفظ «العالم» مشتقّ من العلم. و هو الدليل. فكلّ ما كان دليلا على اللّه أو كان عالما فكان من العالم.
و هذا تحقيق قول المتكلمين: «إنّ العالم كلّ موجود سوى اللّه» و على هذا لا يمكن تخصيص لفظ [العالم] ببعض المحدثات.
أقول: و هذا غير وارد، إذ ليس مراد الزمخشري أنّ مدلول لفظ «العالم» حقيقة مختصّ ببعض المحدثات، بل أنّه أريد به كثير من العالم مجازا، أو بحسب العرف الطاري.
و ثانيها ما قاله ابن عباس [٢]: انّه أراد به عالمي زمانهم، لأنّ أمّتنا أفضل الأمم بالإجماع، كما انّ نبيّنا أفضل الأنبياء. و بدليل قوله [تعالى]: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ [٣/ ١١٠].
و ثالثها أنّ المراد تفضيلهم في أشياء مخصوصة، و هو إنزال المنّ و السلوى و ما أرسل اللّه فيهم من الرسل، و أنزل عليهم من الكتب- إلى غير ذلك من النعم العظيمة- كتفريق فرعون، و الآيات الكثيرة التي يسهل معها الاستدلال، و يهون بها المشاقّ. و تفضيل اللّه إيّاهم في أشياء مخصوصة لا يوجب أن يكونوا أفضل الناس على الإطلاق.
و هاهنا وجه آخر لا يبعد القول به: و هو إنّ هذا التفضيل من جملة النعم العامّة عليهم و على غيرهم من أفراد نوعهم و التي جاء من بعد من النعم الخاصّة لهم، فيكون اشارة إلى فضيلة البشريّة كما في قوله تعالى: وَ لَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَ حَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَ فَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا
[١] تفسير الفخر الرازي: ١/ ٥٠٠.
[٢] مجمع البيان: ١/ ١٠٢.